الصحة

هل زيادة الوزن في منتصف العمر قدر محتوم أم نتيجة مفاهيم خاطئة عن الأيض؟

يربط كثير من الأشخاص زيادة الوزن في منتصف العمر بالتقدم في السن وتباطؤ عمليات الأيض، ويستسلمون لفكرة أن الوزن الزائد أمر لا مفر منه، فيتجهون إلى تغيير مقاسات ملابسهم بدل تغيير نمط حياتهم، ويقنعون أنفسهم بأن ما يحدث مجرد سنة من سنن الحياة. غير أن هذا الاعتقاد يثير تساؤلات جوهرية: هل زيادة الوزن في هذه المرحلة العمرية حتمية فعلًا؟ وهل تباطؤ الأيض هو المسؤول الوحيد عنها؟

في ظل تعدد النصائح الصحية وتغير اتجاهات التغذية، يقدّم الدكتور ماتياس فيهرفاري، استشاري جراحة السمنة في نوفيلد هيلث بالمملكة المتحدة، رؤية علمية أوضح حول طبيعة الأيض ودوره الحقيقي في زيادة الوزن، وذلك في حديث لصحيفة الإندبندنت البريطانية.

ما المقصود بعملية الأيض؟
يعرّف فيهرفاري الأيض بأنه مجموعة العمليات الكيميائية الحيوية التي تضمن استمرار وظائف الجسم، بدءا من تحويل الطعام إلى طاقة، مرورا بإصلاح الخلايا، ووصولا إلى دعم عمل الأعضاء المختلفة. ويعبّر معدل الأيض عن كمية الطاقة التي يستهلكها الجسم للحفاظ على هذه العمليات الأساسية.

وحتى في أوقات الراحة التامة، يستمر الجسم في استهلاك الطاقة للحفاظ على نبض القلب، وتنظيم التنفس، وضمان نشاط الدماغ، وهو ما يُعرف بمعدل الأيض الأساسي.

مفاهيم شائعة لكنها غير دقيقة
من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارا الاعتقاد بأن الأيض وحده هو العامل المحدد لوزن الجسم. ويوضح فيهرفاري أن تنظيم الوزن عملية معقدة تشترك فيها عوامل متعددة تتجاوز مسألة حرق السعرات الحرارية، مثل جودة النظام الغذائي، وكتلة العضلات، ومستوى النشاط البدني، والنوم، إلى جانب عوامل فسيولوجية أعمق تشمل تدفق الصفراء، ووظيفة وحجم المعدة، وإشارات العصب المبهم، وتنظيم هرمونات الأمعاء.

كما يلعب ميكروبيوم الأمعاء دورا محوريا في كيفية استخلاص الطاقة من الطعام، ومعالجة الأحماض الصفراوية، والتأثير العام في كفاءة الأيض.

ويفترض البعض أن معدل الأيض يبدأ بالانخفاض المستمر منذ مرحلة البلوغ المبكرة، إلا أن هذا التصور غير دقيق. فبحسب فيهرفاري، تشير دراسات واسعة النطاق إلى أن الأيض يظل مستقرا نسبيا على مدى عقود طويلة قبل أن يبدأ بالتباطؤ التدريجي في مراحل متقدمة من العمر.

كيف يتغير الأيض مع التقدم في السن؟
لا يتبع الأيض مسارا تنازليا بسيطا كما يُشاع. فقد أظهرت دراسة بارزة نُشرت في مجلة ساينس عام 2021، وشملت أكثر من ستة آلاف مشارك، أن إنفاق الطاقة يبلغ ذروته في مرحلة الطفولة، إذ يكون أعلى بنحو 50% مقارنة بالبالغين، ثم ينخفض تدريجيا حتى سن العشرين تقريبا.

ومنذ بداية العشرينيات وحتى قرابة سن الستين، يبقى معدل الأيض مستقرا إلى حد كبير عند تعديله وفقا لحجم الجسم وتركيبه. وبعد سن الستين، يبدأ الأيض في التراجع ببطء، لكن هذا التراجع يظل محدودا ويمكن قياسه علميا.

لماذا يتباطأ الأيض بعد سن الستين؟
يشير فيهرفاري إلى أن معدل الأيض ينخفض بعد سن الستين بنحو 0.7% سنويا، ويُعزى ذلك أساسا إلى فقدان كتلة العضلات، وتراجع مستويات النشاط البدني، إضافة إلى تغيرات هرمونية طفيفة مثل انخفاض هرمون النمو والهرمونات الجنسية.

كما قد تقل كفاءة الميتوكوندريا، وهي المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلايا، بشكل تدريجي. ولا يعني ذلك أن الجسم يتوقف عن حرق الطاقة، بل يصبح أقل كفاءة في استغلالها.

عوامل نمط الحياة وتأثيرها في الأيض
تلعب العادات اليومية دورا محوريا في دعم أو إبطاء عملية الأيض. ففقدان كتلة العضلات أو قلة الحركة يقللان من استهلاك الطاقة، نظرا لأن الأنسجة العضلية تحرق سعرات حرارية أكثر من الدهون حتى في حالة الراحة.

كذلك، قد تؤدي الحميات القاسية التي تعتمد على تقييد شديد للسعرات الحرارية إلى خفض مؤقت في معدل الأيض، في حين يؤثر نقص النوم سلبا في هرمونات الجوع وتنظيم الطاقة مثل اللبتين والغريلين. أما الإجهاد المزمن، فيرتبط بارتفاع مستويات الكورتيزول، ما يعزز تخزين الدهون ويؤثر في كفاءة استخدام الطاقة داخل الجسم.

زر الذهاب إلى الأعلى