الأخبار الدولية

سقوط الدولة الفاطمية وصعود المشروع الأيوبي: قراءة في تحولات مصر السياسية والعسكرية

شهدت مصر في منتصف القرن السادس الهجري مرحلة فارقة في تاريخها، إذ تزامن ضعف الدولة الفاطمية مع تصاعد الهجمات الصليبية على سواحلها، واشتداد الصراع بين الوزيرين شاور وضرغام للسيطرة على البلاد. انتهى ذلك الصراع بهزيمة شاور، فلجأ إلى نور الدين محمود زنكي في الشام، طالبًا الدعم مقابل امتيازات مالية واقتصادية مهمة تصب في صالح الدولة الزنكية.

ورغم تلك المكاسب، فإن نور الدين كان يطمح إلى ما هو أبعد من مجرد عوائد مالية؛ فقد رأى أن بسط النفوذ على مصر سيُشكّل نقطة قوة إستراتيجية في مواجهة الصليبيين، لما ستوفره من موارد بشرية ومالية تعزز جبهة الشام. ولتحقيق هذا الهدف، أرسل أسد الدين شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب لحسم الصراع القائم في مصر.

نجح هذا التحرك في إعادة شاور إلى الحكم، لكنه سرعان ما نقض الاتفاق، وسعى إلى القضاء على قوات شيركوه وصلاح الدين. وحين اكتُشفت خطته، جرى قتله، وتولى أسد الدين الوزارة باتفاق مع الخليفة الفاطمي العاضد. وعند وفاة أسد الدين سنة 564هـ/1169م، انتقلت الوزارة إلى صلاح الدين، كما يروي أبو شامة في “الروضتين”.

غزوة دمياط: أول اختبار لصلاح الدين

تزامن تولي صلاح الدين الوزارة مع واحدة من أخطر لحظات تاريخ مصر، إذ تحالفت القوات الصليبية والبيزنطية لغزو البلاد، وكانت دمياط ساحة المعركة الأولى التي يواجهها صلاح الدين في موقعه الجديد. أدرك نور الدين أهمية صمود مصر، فمدّ صلاح الدين بالدعم العسكري، يقينًا منه أن سقوط مصر سيكون مقدمة لتهديد الشام والقدس.

ورغم الظروف القاسية، تمكن صلاح الدين من صدّ الحملة، وهو انتصار رسّخ مكانته قائدًا قادرًا على إدارة المعارك المصيرية، ومهّد لبدء مرحلة جديدة في التعامل مع الدولة الفاطمية التي فقدت قدرتها على مواجهة الأخطار المحيطة.

التحول التدريجي نحو إنهاء النفوذ الفاطمي

اتجه صلاح الدين إلى تفكيك النفوذ السياسي للدولة الفاطمية بأسلوب تدريجي متزن، متجنبًا الصدام المباشر الذي قد يثير اضطرابات داخلية. بدأ بتقوية سلطته عبر الجيش التركي الذي وصل من نور الدين، وبناء ثقة المصريين بعد أن لمسوا استقراره وقدرته على حماية البلاد.

ركزت سياساته على تأمين الطريق بين الشام ومصر لضمان اندماج الجبهتين، وأطلق حملات عسكرية في الساحل الفلسطيني منذ سنة 566هـ/1170م، مهاجمًا عسقلان والرملة، لإرسال رسالة واضحة للصليبيين بأن القوة الإسلامية عادت للتحرك في عمق مناطق نفوذهم، ولضمان أمن التجارة والقوافل بين مصر والشام.

وتواصلت تحركاته بتطهير الطرقات وردع القبائل المتمردة، ثم السيطرة على العقبة سنة 570هـ لما تمثله من أهمية في تأمين خطوط العبور نحو الحجاز واليمن.

المواجهة مع بقايا النفوذ الفاطمي

على الجانب الداخلي، ركز صلاح الدين على إصلاح اقتصادي واجتماعي شامل، خفّف الضرائب، ونشر العدل، ووجّه موارد الدولة لخدمة الفئات الضعيفة، مما عزز مكانته بين المصريين.

وفي المقابل، سعى إلى تحييد قوى النفوذ الفاطمي التي ظلت تعمل في الخفاء، فواجه مؤامرات عديدة أبرزها “مؤامرة العبيد السودان” و”مؤامرة عمارة اليمني”. أعاد تنظيم الجيش، وأقصى وحدات الحرس الفاطمي، وبنى قوة عسكرية جديدة تعتمد على الأكراد والتركمان، مانعًا أي محاولة لإحياء الحكم الفاطمي مجددًا.

العلاقة مع نور الدين ودور التوقيت في القضاء على الخلافة الفاطمية

حرص صلاح الدين على الحفاظ على ولائه لنور الدين، وامتثل لأوامره في الدعاء للخليفة العباسي، إدراكًا منه أن الصدام الداخلي سيكون خدمة مجانية للصليبيين. وقد نقل أبو شامة نصائح نور الدين لتورانشاه، مؤكدا حرصه على دعم مشروع صلاح الدين في مصر دون الإخلال بتوازن السلطة.

أما ما نُسب من ادعاء تردد صلاح الدين في القضاء على الفاطميين خوفًا من نور الدين، فقد نفاه عدد من الباحثين، كما في كتب شاكر مصطفى ويعقوب ليف ومايكل فلوتون. يشير هؤلاء إلى أن التردد لم يكن حول الهدف بل حول التوقيت، تجنبًا لاضطرابات داخلية قد تهدد مشروعه ضد الصليبيين.

وحتى ابن الأثير، رغم انتقاداته، يعترف بأن صلاح الدين امتثل أمر نور الدين بقطع خطبة العاضد، وأن المصريين قبلوا الانتقال بهدوء دون اضطرابات.

بداية الدولة الأيوبية ونهاية الخلافة الفاطمية

بعد وفاة العاضد وانتهاء النظام الفاطمي، بدأ صلاح الدين إعادة تنظيم الحياة السياسية والإدارية، فأرسل وفدًا رسميًا إلى بغداد لإعلان تبعية مصر للخلافة العباسية، وأعاد سكّ العملة باسم الخليفة المستضيء بالله، وأمر برفع الرايات العباسية السوداء بدل الرايات البيضاء الفاطمية.

وفي إطار إصلاحات اجتماعية ودينية واسعة، قام بإغلاق المؤسسات التي ارتبطت بالنظام الفاطمي، وأعاد تنظيم القضاء على أساس المذهب السني، وأنشأ مدارس شافعية ومالكية، وألغى الممارسات الشعائرية الفاطمية التي خالفت ما عليه عامة المصريين.

كما أصلح النظام المالي، وألغى المكوس الجائرة، وأسقط الديون غير الشرعية، ووجه أموالًا ضخمة لخدمة الفقراء وتسهيل الحج، مما أعاد للمصريين شعورهم بالعدل والاستقرار. وقد لاحظ ابن جبير خلال رحلته إلى مصر أثر هذه الإصلاحات على الناس.

وهكذا تهيأت مصر لتكون قاعدة انطلاق المشروع الأيوبي الكبير نحو تحرير القدس، وهو المشروع الذي اكتمل بعد سنوات في معركة حطين.

زر الذهاب إلى الأعلى