شركات الطاقة العالمية تعود إلى ليبيا بحثًا عن احتياطيات جديدة تحركات لتعزيز النفوذ والاستقرار

تشهد ليبيا اهتمامًا متجددًا من كبرى شركات الطاقة العالمية، التي عادت إلى الساحة الليبية بعد نحو 15 عامًا على سقوط نظام معمر القذافي، بحثًا عن فرص جديدة للتنقيب عن النفط والغاز، وفق تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية. ويأتي هذا التحرك في وقت تستعد فيه طرابلس لإطلاق أول مزاد لتراخيص التنقيب منذ 18 عامًا، في خطوة تسعى من خلالها لجذب استثمارات ضخمة تعيد بناء قطاع الطاقة.
يزور وفد حكومي ليبي العاصمة واشنطن هذا الأسبوع بهدف الترويج للجولة الجديدة من تراخيص التنقيب، في ظل دخول شركات عالمية كبرى مثل شل، وشيفرون، وتوتال إنرجيز، وإيني، وريبسول ضمن قائمة الشركات المؤهلة مسبقًا للمشاركة، بعد أن وقّعت “إكسون موبيل” اتفاقًا في أغسطس/آب لاستكشاف الغاز قبالة الساحل الليبي.
وتسعى إكسون موبيل للعمل مع المؤسسة الوطنية للنفط لتقييم الإمكانات الوطنية بشكل شامل، معتمدة على خبرتها الواسعة في تطوير الحقول المعقدة حول العالم.
زخم متجدد في قطاع النفط
بدأت ملامح العودة القوية لصناعة النفط الليبية تتضح منذ يوليو/تموز الماضي، بعدما أكدت شركتا “شل” و”بي بي” توقيع اتفاقيات مع المؤسسة الوطنية للنفط لتقييم فرص جديدة. ويأتي ذلك وسط توقعات بأن الطلب العالمي على النفط سيظل قويًا لفترة أطول، نتيجة تباطؤ الانتقال العالمي إلى مصادر الطاقة النظيفة.
ورغم الانقسام السياسي بين حكومتين في الشرق والغرب، فإن الشركات النفطية الكبرى اعتادت — كما يقول مصرفيون في قطاع الطاقة — العمل في بيئات ذات مخاطر سياسية مرتفعة. وتطمح حكومة طرابلس المعترف بها دوليًا إلى رفع الإنتاج من 1.4 مليون برميل يوميًا إلى مليوني برميل بحلول عام 2030، مستندة إلى اتفاقيات تقاسم الإنتاج الجديدة لجذب المستثمرين.
وفي هذا السياق، أكد مايك ويرث، الرئيس التنفيذي لشركة شيفرون، أن “الظروف الاستثمارية في ليبيا اليوم باتت أكثر جاذبية من أي وقت مضى”، في إشارة إلى تحسن الترتيبات التعاقدية التي تطرحها طرابلس.
وتقع نسبة كبيرة من النفط الليبي في مناطق خاضعة لسيطرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ما يجعل مستقبل الاستثمارات مرتبطًا إلى حد كبير بالتوازنات السياسية والأمنية داخل البلاد.
تحرك ليبي في واشنطن وتداعيات النفوذ الروسي
حمل الوفد الليبي في زيارته لواشنطن رسالة مفادها أن البلاد قادرة على أن تكون موردًا رئيسيًا للنفط والغاز، وأن طرابلس تحتاج دعمًا أميركيًا للحد من النفوذ الروسي المتنامي في الشرق والجنوب.
وحذّر محللون من اتساع الوجود العسكري الروسي وارتباطه بفساد متزايد داخل قطاعات متعددة، خصوصًا مع استمرار موسكو في دعم حفتر منذ سنوات.
وأكد محمود أحمد الفيست، أحد كبار مسؤولي الوفد، أن المؤسسة الوطنية للنفط هي الجهة الشرعية الوحيدة لإنتاج وتصدير النفط، مشيرًا إلى أن سيطرة حفتر وأبنائه على مناطق استراتيجية تؤثر بشكل مباشر على القطاع. وترى حكومة طرابلس أن عودة الشركات الغربية ستمنحها قوة تفاوضية أكبر، وستساهم في تعزيز الاستقرار وخلق بديل نفطي للدول الغربية عن الإمدادات الروسية.
حاجة ملحة إلى التكنولوجيا الغربية
من جهته، أكد إبراهيم صهد، عضو المجلس الأعلى للدولة وعضو الوفد، أن ليبيا يمكن أن تكون بديلاً فعليًا في سوق الطاقة العالمية إذا تمت الاستفادة من التكنولوجيا الغربية المتقدمة. وقال: “لا توجد دولة تمتلك التكنولوجيا التي تمتلكها الولايات المتحدة”. وأشار إلى أن طرابلس تتفاوض بالفعل مع شركات كبرى مثل شيفرون وكونوكو فيليبس لتطوير حقول جديدة وتعزيز الإنتاج.
ويرى الخبراء أن الاهتمام الأميركي والغربي المتجدد — الذي ظهر بوضوح بعد زيارة مبعوث أميركي خاص إلى ليبيا — قد يسهم في دفع الشركات للاستثمار مجددًا في القطاع النفطي، مما قد يشكل “موجة صاعدة” تدفع بالأوضاع الاقتصادية نحو الأفضل.
لكن التحذيرات قائمة؛ إذ يؤكد الباحث تيم إيتون أن تدفق الاستثمارات دون حوكمة واضحة قد يرسخ الوضع الراهن ويعزز نفوذ النخب التقليدية بدلاً من تحقيق الإصلاح المطلوب.
بهذا، تدخل ليبيا مرحلة جديدة من التنافس الدولي على مواردها، مرحلة تحمل فرصًا اقتصادية ضخمة لكنها محاطة بتحديات سياسية وأمنية معقّدة تحتاج إدارة حذرة لضمان مستقبل مستقر لقطاع الطاقة وللبلاد ككل.







