2025: عام التحوّلات البنيوية في الاقتصاد العالمي

في سياق الاقتصاد الكلي، تمر الأنظمة المالية الدولية بمحطات قد تبدو في ظاهرها جزءًا من الدورة الاقتصادية الاعتيادية، لكنها تحمل في جوهرها بذور تحوّلات بنيوية عميقة. ويُنظر إلى عام 2025 من قبل عدد متزايد من الخبراء وصنّاع القرار بوصفه عامًا مرشحًا لأن يُسجَّل كمنعطف استثنائي في مسار الاقتصاد العالمي، نتيجة تزامن عوامل اقتصادية وتقنية وبيئية غير مسبوقة من حيث طبيعتها وتشابكها.
ففي هذا العام، اجتمعت أربعة تحوّلات كبرى لم يشهدها العالم بهذا الشكل من قبل: انفجار تكنولوجي تقوده تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتسارع غير مسبوق في التحولات المناخية، وعودة قوية للسياسات الاقتصادية الحمائية، إلى جانب تفتت واضح في بنية العولمة الليبرالية التي سادت منذ تسعينيات القرن الماضي. ولم يعد السؤال المطروح ما إذا كان عام 2025 يمثل نقطة تحوّل، بل ما إذا كانت المنظومة الاقتصادية العالمية برمّتها قد بدأت فعليًا في التآكل وإعادة التشكل.
في هذا السياق، يشير الباحث تشارلز فنغر في كتابه «الاتجاهات العالمية 2025: عالم متحوّل» إلى أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، يتجاوز مرحلة التفوق الغربي لصالح توزيع أكثر توازنًا للقوة الاقتصادية بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب. وتنسجم هذه الرؤية مع مؤشرات العام 2025، إذ باتت الهند تقترب بوتيرة متسارعة من تجاوز اليابان وألمانيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، ما يرشحها لتصبح ثالث أكبر اقتصاد في العالم مطلع عام 2026، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، في ظل استمرار معدلات النمو المرتفعة وتباطؤ الاقتصادات الصناعية التقليدية.
وتُعزى هذه التحولات إلى عوامل ديمغرافية وهيكلية ونقدية، في وقت بدأت فيه تكتلات إقليمية ناشئة، مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا والاتحاد الأفريقي، بإعادة صياغة قواعد التجارة الإقليمية بعيدًا عن الهيمنة التقليدية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويشير تقرير الباحثين ميغيل غيين وإستر أورتيز بايزا بعنوان «نقاط التحول العالمية» إلى أن الاقتصادات الناشئة باتت تمثل أكثر من نصف الناتج الاقتصادي العالمي، وهو ما أكدت عليه بيانات 2025، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا المالية والطاقة المتجددة.
وفي موازاة ذلك، شهد عام 2025 عودة قوية لمفهوم «السيادة الاقتصادية»، كما خلصت دراسة نُشرت في مجلة «جيوفوروم»، حيث سارعت الدول الكبرى إلى تبني سياسات حمائية لحماية القطاعات الإستراتيجية، من الرقائق الإلكترونية إلى الصناعات الدوائية، في استجابة مباشرة لتصاعد المخاطر الجيوسياسية واضطراب سلاسل التوريد.
أما على الصعيد التكنولوجي، فقد مثّل الذكاء الاصطناعي ما يمكن تسميته بـ«الثورة الإنتاجية الثانية». ووفق دراسة صادرة عن جامعة ميونخ، بلغ تقييم شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة مستويات غير مسبوقة في منتصف 2025، ما يعكس تحوّلًا بنيويًا في مفهوم رأس المال، الذي لم يعد يُقاس بالمصانع والآلات، بل بمراكز البيانات وملكية الخوارزميات والنماذج اللغوية الكبرى. وأكد تقرير لمجلة «ذي إيكونوميست» أن هذه الطفرة أسهمت في رفع إنتاجية العمل لأول مرة منذ سنوات، حتى في القطاعات التي كانت تُعد عصية على الأتمتة.
وفي البعد البيئي، شكّل عام 2025 نقطة فاصلة في إعادة تعريف العلاقة بين النمو الاقتصادي والتغير المناخي. ففي قمة مجموعة العشرين بالبرازيل، أُعلن عن اتفاق «بريتون وودز الأخضر»، الذي ألزم الدول بتوجيه أنظمتها المالية نحو الاستثمار المستدام، وربط خلق القيمة الاقتصادية بالعدالة البيئية. كما تبنّى عشرات المصارف المركزية حول العالم اختبارات ضغط مناخية ضمن أدواتها الرقابية، ما يعكس تحوّلًا جوهريًا في مفهوم الاستقرار الاقتصادي.
في المقابل، لم تختفِ العولمة، لكنها دخلت مرحلة تفكك وإعادة تشكيل. فبحسب دراسة في مجلة «غلوبالايزيشنز»، لم تعد التجارة العالمية تُدار بمنطق الانفتاح المطلق، بل ضمن تحالفات جغرافية مغلقة تحكمها اعتبارات الأمن القومي والسيادة التكنولوجية. وبرز ذلك في توسع الصادرات الصينية نحو الشرق والجنوب، وتفعيل الاتحاد الأفريقي لاتفاقية التجارة الحرة القارية كبديل عن الأسواق التقليدية.
ويرى الاقتصاديان داني رودريك وجوزيف ستيغليتز أن النماذج النيوليبرالية القائمة على الانفتاح الكامل لم تعد قابلة للاستمرار، داعين إلى تبني نموذج اقتصادي مرن يركز على تعزيز القدرات الداخلية، والاستثمار في رأس المال البشري، وتوطين التكنولوجيا. وتدعم هذا الطرح دراسات حديثة تشير إلى أن الاقتصاد العالمي دخل بحلول 2025 مرحلة «ما بعد الخطية»، حيث لم تعد النماذج التنموية التقليدية صالحة للتكرار، لا سيما في الدول النامية.
وتعكس مؤشرات عام 2025 عمق هذا التحول البنيوي، إذ بلغت نسبة الدين العالمي إلى الناتج المحلي نحو 336%، وتجاوزت القيمة السوقية لقطاع الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة، كما تبنّت غالبية الموازنات الحكومية سياسات مناخية ملزمة، وارتفعت حصة العملات الرقمية الحكومية في التسويات الدولية بشكل لافت.
وفي قراءة تاريخية أوسع، يرى الباحث يان نيدرفين بيتيرس أن هذه التحولات لا تمتلك سوابق دقيقة في التاريخ الحديث، نظرًا لتداخل العوامل الجيوسياسية والديمغرافية والتكنولوجية بهذا الشكل المعقد، ما يجعل عام 2025 لحظة فارقة تُعيد صياغة أسس الاقتصاد العالمي ونظامه القيمي.







