هل تقترب الصين من حسم سباق الذكاء الاصطناعي العالمي؟

تشهد موازين القوى في قطاع التكنولوجيا تحولا دراماتيكيا، فبعد سنوات من الهيمنة الأميركية شبه المطلقة على مشهد الذكاء الاصطناعي، تشير المعطيات الراهنة إلى أن الصين لم تعد مجرد لاعب لاحق، بل باتت تقترب بخطى متسارعة من حسم ما يُوصف بـ”السباق الأهم في القرن الحادي والعشرين”.
ورغم استمرار التفوق الأميركي في تطوير النماذج الأولية فائقة القوة، فإن الاستراتيجية الصينية القائمة على الانتشار الواسع والسيادة المادية للتقنية بدأت تؤتي ثمارها، واضعة بكين في موقع تنافسي متقدم على المدى الطويل.
التحول الفعلي في هذا السباق بدأ مطلع عام 2025، عندما أطلقت شركة “ديب سيك” الصينية نموذجا لغويا كبيرا عالي الأداء بتكلفة متدنية للغاية مقارنة بما تنفقه شركات وادي السيليكون مثل “أوبن إيه آي” و”غوغل”. ولم يكن ذلك مجرد إنجاز تقني عابر، بل إعلانا واضحا عن فلسفة صينية جديدة تقوم على تحقيق أقصى درجات الابتكار بأقل قدر من الموارد.
ومع اتساع الرؤية، بات سباق الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه اليوم كماراثون طويل النفس لا سباق سرعة، ففي حين تركز الولايات المتحدة على تطوير أقوى النماذج اللغوية المدعومة برقائق “إنفيديا” المتقدمة، تراهن الصين على تجاوز القيود التقنية والعقوبات الأميركية عبر حلول بديلة، ودمج الذكاء الاصطناعي في صلب الاقتصاد الحقيقي، بما يضمن انتشارا أوسع وتأثيرا أعمق.
تضييق الفجوة رغم القيود
لطالما استند التفوق الأميركي إلى الهيمنة على تقنيات الحوسبة المتقدمة، غير أن محللين، من بينهم لياه فاهي من “كابيتال إيكونوميكس”، يؤكدون أن القيود على تصدير الرقائق لم تمنع شركات صينية مثل “علي بابا” و”مون شوت” من تضييق فجوة الأداء، مستفيدة من تحسين الخوارزميات وثراء قواعد البيانات، ما سمح لنماذج أصغر وأكثر كفاءة بمضاهاة النماذج الأميركية العملاقة.
وعلى مستوى رأس المال البشري، تتفوق الصين بوضوح، إذ منحت في عام 2022 وحده عددا من شهادات الدكتوراه في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات يزيد بأكثر من 50% مقارنة بالولايات المتحدة، كما سجل باحثوها ثلاثة أضعاف براءات الاختراع في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يؤسس لقاعدة معرفية يصعب تقويضها.
ويبرز تفوق الصين بشكل خاص في مجال “الذكاء الاصطناعي المجسّد”، حيث لا يقتصر التطوير على البرمجيات والنماذج النظرية، بل يمتد إلى دمج “العقل” الاصطناعي داخل أجسام مادية، مثل الروبوتات الصناعية، والسيارات ذاتية القيادة، والطائرات المسيّرة، وهو مجال لا تزال الولايات المتحدة أقل حضورا فيه.
كما تحتل الصين الصدارة عالميا في عدد الروبوتات الصناعية المثبتة لكل عامل، وتسيطر على سلاسل توريد المواد الخام الحيوية اللازمة لبناء شبكات الكهرباء ومراكز البيانات، ما يمنحها أفضلية استراتيجية طويلة الأمد.
وتعزز هذه الأفضلية قدرة هندسية وتنظيمية لافتة، إذ تستطيع الصين تشييد البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي بسرعة قياسية، ففي الوقت الذي قد يستغرق فيه بناء مركز بيانات في الولايات المتحدة نحو ثلاث سنوات، تتمكن الصين من إنجاز مشاريع مماثلة خلال أشهر بفضل مرونتها التنظيمية وتوافر الطاقة.
معركة الطاقة والانتشار العالمي
وتشير تقديرات صادرة عن “غولدمان ساكس” إلى أن الصين قد تمتلك بحلول عام 2030 فائضا في قدرة توليد الكهرباء يعادل ثلاثة أضعاف الطلب العالمي المتوقع لمراكز البيانات. وتتيح هذه الوفرة الطاقية تشغيل مراكز حوسبة عملاقة حتى باستخدام رقائق أقل كفاءة، ما يمنح بكين تفوقا لوجستيا حاسما في سباق الذكاء الاصطناعي.
وعلى الصعيد الدولي، تعتمد الصين استراتيجية “القوة الناعمة التقنية” عبر نشر نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، ما يمنح المطورين في الأسواق الناشئة ودول الجنوب العالمي فرصة بناء أنظمتهم الخاصة بعيدا عن الهيمنة السحابية الأميركية. ومع انتشار شركات صينية مثل “هواوي” في أكثر من 170 دولة، تعمل بكين على ترسيخ معايير تقنية قد تصبح المرجعية العالمية في المستقبل.
في المحصلة، تبدو الولايات المتحدة كعدّاء سريع يمتلك أحدث المعدات، بينما تظهر الصين كقوة اقتصادية متكاملة تبني نظاما بيئيا شاملا ومستداما. فالهيمنة التقنية في السنوات المقبلة لن تُقاس فقط بامتلاك أذكى نموذج لغوي، بل بالقدرة على دمج هذا الذكاء في المنتجات والخدمات اليومية، وضمان استدامته بالطاقة والمواد الخام.
ويرى محللون أن الصين تسد فجوة الابتكار بوتيرة متسارعة، وتمتلك مزايا يصعب منافستها في التوسع والانتشار العالمي، ما يجعلها الأقرب للظفر بمكانة القوة العظمى في عصر الذكاء الاصطناعي، وفقا لتقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز”.







