مقامرة موسكو بين الماضي والحاضر: من نخلة كوبا إلى ظلال كييف

قبل أكثر من قرن ونصف، سجّل دوستويفسكي في رواية المقامر عبارة عميقة تصف جانبًا من المزاج الروسي الذي يميل إلى الاندفاع، ويرفض الخطط الطويلة، ويؤمن بالمواجهة المباشرة مع المصير. فقد جسّد الكاتب الروسي هذا المزاج من خلال بطله ألكسي إيفانوفيتش، الذي لا يعرف التراجع، فإذا خاض المغامرة اندفع فيها حتى النهاية، وكأنه يعيش وفق قاعدة: إمّا كل شيء، أو لا شيء.
ورغم ما تحمله هذه الصورة من مبالغة أدبية، فإن جذورها لا تغيب عن سلوك الدولة الروسية عبر القرون؛ من اندفاع القياصرة في حروبهم الكبرى، إلى رهانات الاتحاد السوفياتي في مواجهاته مع ألمانيا النازية، ثم خلال الصراع المحتدم في الحرب الباردة، وصولًا إلى أخطر مقامرة نووية في القرن العشرين: أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.
ففي صيف ذلك العام، كان الجنرال السوفياتي إيغور ستاتسينكو يحلّق فوق كوبا لمعاينة المواقع الخاصة بنشر الصواريخ الباليستية النووية، مستعيدًا تطمينات قائده بأن نخيل كوبا الكثيف سيخفي المنصات عن أعين الأميركيين. لكن نظرة واحدة من الجو كانت كافية لنسف هذا الاعتقاد. فقد كانت الأشجار متناثرة ومتباعدة، ولا توفر الحدّ الأدنى من التمويه، ليوقن ستاتسينكو أن واشنطن ستكتشف المواقع بلا جهد.
ومع ذلك، لم يصل هذا التحذير إلى نيكيتا خروتشوف، الذي كان غارقًا في رهانه الكبير إلى الحد الذي جعله يغضّ الطرف عن كل إشارات الخطر، موقنًا بأن السرية ستحمي خطته حتى النهاية. لكن اليقين انهار سريعًا حين التقطت طائرة تجسس أميركية صورًا واضحة للمنصات في أكتوبر/تشرين الأول، لتبدأ أخطر مواجهة نووية عرفها العالم، قبل أن يرضخ خروتشوف ويقبل اتفاقًا مع كينيدي يقضي بسحب الصواريخ مقابل تعهّد أميركي بعدم غزو كوبا.
اليوم، وبينما تدور حرب شرسة بالوكالة بين موسكو وواشنطن على الأرض الأوكرانية، تعود ظلال تلك الأزمة لتخيّم على المشهد الدولي، وكأن التاريخ يعيد إنتاج الأنماط ذاتها وإن تغيّرت الوجوه. فالعالم يقف مرة أخرى على أطراف أصابعه، وسط تحذيرات من مغامرة نووية جديدة، فيما تبدو كييف امتدادًا لظلال نخيل كوبا، رمز العمى الإستراتيجي الذي كاد يجرّ البشرية سابقًا إلى الهاوية.
وبرغم ما اشتهر به المزاج الروسي من اندفاع، فإن درس أزمة الصواريخ يكشف جانبًا آخر لطبيعة القرار الروسي: إذ ما إن تدرك موسكو أن المخاطرة قد تقود إلى المجهول، حتى تعود إلى حسابات العقل. وهذا ما يجعل “المغامرة الروسية” مزيجًا من الجرأة والمراجعة، ومن الحماس والبراغماتية، وإن كانت جرعتها الأولى تطغى أحيانًا على الثانية.
ترى تحليلات غربية عديدة أن هذا الاندفاع الروسي نتاج تركيبة سياسية تقدّس سلطة القائد وتفتقر إلى آليات المراجعة. وبالفعل، كانت مقامرة خروتشوف النووية مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ اتُّخذ القرار داخل دائرة شديدة الضيق، بعيدًا عن المؤسسات العسكرية والاستخباراتية. وقد وثّقت الدراسات الحديثة أن كثيرًا من القادة كانوا متشككين في جدوى الخطة، لكنهم لم يجرؤوا على الاعتراض، حتى إن أحد الضباط تعرّض للركل تحت الطاولة حين حاول تنبيه القيادة إلى خطأ التقديرات المتعلقة بقدرة النخيل على إخفاء المنصات.
وتكشف وثائق رفعت عنها السرية أن التقارير التي وصلت إلى خروتشوف رسمت صورة وردية عن “نجاح الخطة”، رغم تعثرها في الميدان بسبب أعطال تقنية ونقص الإمدادات والحصار البحري الأميركي. هكذا فقدت القيادة القدرة على رؤية الحقائق، وهو ما يشير إليه مؤرخون بوصفه “أخطر أدواء النظام السوفياتي”: طمس الحقيقة حفاظًا على هيبة القائد.
واليوم، تتكرر الصورة نفسها في الحرب على أوكرانيا، بحسب مراسلين كبار في وكالة رويترز، حيث اتُّخذ قرار الغزو عام 2022 داخل حلقة ضيقة لا تتجاوز عدد أصابع اليد، بينما رُفعت إلى بوتين تقارير صيغت لإرضائه لا لإطلاعه على الواقع. ويرى مؤرخون مثل زوبوك ورادشينكو تشابهًا كبيرًا بين دوافع خروتشوف في أزمة كوبا ودوافع بوتين في حرب أوكرانيا: إذ تحركهما مشاعر الإهانة الإستراتيجية، والاعتقاد بأن الغرب تجاوز الخطوط الحمراء الروسية، وأن التراجع يعني هزيمة تاريخية لا يمكن قبولها.
بل إن التفاصيل التنفيذية تكاد تتطابق: خروتشوف أوهم جنوده بأنهم ذاهبون لمناورة تدريبية اسمها “أنادير”، وبوتين أوهم قواته بأن الحشود على حدود أوكرانيا ليست سوى تدريبات. وفي الحالتين، دخل الجنود الميدان وهم يجهلون الوجهة الحقيقية.
ويضاف إلى ذلك نمط الاختيار داخل القيادة الروسية، الذي يغلّب الولاء الشخصي على الكفاءة المهنية. فكما اعتمد خروتشوف على قادة محدودي الرؤية، اعتمد بوتين لسنوات طويلة على وزير دفاعه السابق سيرغي شويغو، الذي لم يحمل خلفية عسكرية، لكنه كان يتمتع بثقة الرئيس، ما جعل المؤسسة العسكرية تعمل وفق قناعة واحدة: “اصنعوا الانطباع الذي يريده القائد”.
ولعل القاسم النفسي المشترك الأبرز بين الزعيمين، كما يشير خبراء في الأمن القومي، هو رؤية الصراع الدولي كأنه لعبة أوراق، يمكن قلب نتائجها بخطوة مفاجئة، أو برفع الرهان في اللحظة الأخيرة.
وهذا ما يجعل العالم اليوم يتعامل مع حرب أوكرانيا باعتبارها مقامرة كبرى، تتقاطع فيها حسابات القوة مع مخاوف السلاح النووي، وسط نظام دولي بالغ الهشاشة.
إن المقارنة بين “مقامرة كوبا” و“مقامرة أوكرانيا” لا تهدف إلى القول إن التاريخ يكرر نفسه حرفيًّا، لكنه كثيرًا ما يعيد إنتاج الأنماط حين تتشابه الظروف. ومع بقاء جذوة الاندفاع الروسي حاضرة، يبقى الدرس الأهم من أزمة 1962 قائمًا: المغامرة، مهما بلغت جرأتها، يجب أن تبقى ضمن حدود يمكن الرجوع عنها قبل فوات الأوان.
فما بين نخلة كوبا وظلال كييف، يظل العالم ينتظر ما إذا كانت موسكو ستقف عند حدود الحسابات، أم ستواصل رفع الرهان حتى اللحظة الأخيرة.







