محمد عبد الله ولد بين يكتب:

الجبهة الداخلية في زمن الأزمات:
بين تحديات الطاقة ومسؤولية الخطاب
تعيش موريتانيا، كغيرها من دول العالم، على وقع تداعيات أزمة الطاقة العالمية التي ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصادات الهشة، خاصة في ظل استمرار التوترات الإقليمية، وفي مقدمتها حرب الخليج وما رافقها من اضطراب في أسواق النفط وسلاسل الإمداد. هذه التحولات المتسارعة لم تكن مجرد أحداث بعيدة، بل امتدت آثارها لتطال حياة المواطن اليومية، من ارتفاع الأسعار إلى تراجع القدرة الشرائية.
لقد بادرت الحكومة الموريتانية إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات للتخفيف من وطأة هذه الأزمة، شملت دعم بعض المواد الأساسية، ومحاولة ضبط السوق، والدعوة إلى ترشيد الاستهلاك، فضلاً عن البحث عن بدائل مستدامة في مجال الطاقة. وهي خطوات، وإن لم تكن كافية في نظر البعض، إلا أنها تعكس إدراكًا رسميًا بخطورة المرحلة، وسعيًا لتقليل الأضرار قدر الإمكان.
غير أن اللافت في هذا السياق، هو بروز بعض الأصوات المعارضة التي اختارت أن تسلك مسار التشكيك والتقليل من شأن هذه الإجراءات، بل وذهبت إلى تسفيهها في وقتٍ يحتاج فيه الوطن إلى خطاب مسؤول يوازن بين النقد البنّاء والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية. فليس من الحكمة أن تتحول الأزمات إلى منصات للمزايدات السياسية، ولا أن يُستغل الظرف الدولي المضطرب لإضعاف الثقة بين المواطن ومؤسساته.
لقد أشرت في مقال سابق ضمن سلسلة تناولت آثار هذه الحرب، إلى أهمية الجبهة الداخلية كخط دفاع أول في مواجهة الأزمات. فالدول لا تقاس فقط بمواردها، بل بقدرتها على توحيد صفوفها، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة. وموريتانيا، التي عُرفت تاريخيًا بتماسك نسيجها الاجتماعي، مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استحضار هذا الإرث.
إن المرحلة الراهنة لا تخدم الخطابات المتشنجة ولا السجالات العقيمة، بل تتطلب قدراً عالياً من الوعي والمسؤولية من مختلف الفاعلين، سواء في الحكومة أو في صفوف المعارضة. فالنقد مطلوب، لكنه ينبغي أن يكون موضوعيًا وبنّاءً، يهدف إلى التصويب لا إلى الهدم.
وفي المقابل، يقع على عاتق المواطن الموريتاني دور لا يقل أهمية، يتمثل في الصبر والتكيف مع مقتضيات المرحلة، والمساهمة في ترشيد الاستهلاك، والالتفاف حول ما يخدم استقرار البلاد. فالتحديات، مهما عظمت، يمكن تجاوزها حين تتضافر الجهود وتتوحد الإرادات.
إن توحيد الصف الوطني اليوم ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة. فالأزمات، مهما اشتدت، تظل عابرة، أما الأوطان فباقية، ولا سبيل لحمايتها إلا بجبهة داخلية متماسكة، وخطاب عقلاني يضع مصلحة موريتانيا فوق كل اعتبار.







