الأخبار الدولية

قطر تبحث عن حلول غير تقليدية لاستمرار صادرات الغاز عبر مضيق هرمز

تسعى قطر، ثاني أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى ابتكار حلول تشغيلية وتجارية تتيح استمرار تدفق صادراتها عبر مضيق هرمز، في ظل اضطرابات الملاحة الناجمة عن الحرب على إيران. وتهدف هذه التحركات إلى حماية حصة الدوحة في الأسواق العالمية، والحفاظ على علاقاتها مع كبار المستوردين في آسيا وأوروبا.

وتشمل الإجراءات استخدام ناقلات غاز قديمة لعبور المضيق، ونقل الشحنات بين السفن في عرض البحر، واستئجار ناقلات إضافية، وتجهيز سفن فارغة بالقرب من منشآت التصدير استعدادا لاستئناف الشحنات عند توافر ظروف العبور المناسبة. كما تعمل قطر للطاقة على توسيع أنشطتها التجارية والاستفادة من استثماراتها خارج منطقة الخليج، وفي مقدمتها مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة.

وتعكس هذه الخطوات محاولة لإعادة تنظيم منظومة التصدير القطرية في مواجهة المخاطر الأمنية واللوجستية، بعدما أظهرت الأزمة مدى اعتماد أحد أكبر منتجي الغاز المسال عالميا على ممر بحري رئيسي واحد.

كما أثارت التطورات تساؤلات بشأن قدرة قطر على الحفاظ على نموذجها التصديري القائم على الإمدادات المنتظمة والعقود طويلة الأجل، خصوصا مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واستمرار القيود المفروضة على حركة الملاحة.

استخدام ناقلات قديمة لعبور مضيق هرمز

أفادت وكالة بلومبيرغ بأن قطر للطاقة لجأت إلى استخدام ناقلات غاز قديمة لتنفيذ رحلات قصيرة عبر مضيق هرمز، بهدف تقليل المخاطر التي قد تتعرض لها السفن الحديثة مرتفعة القيمة، ضمن خطة لاستعادة الصادرات بصورة تدريجية.

وتبرز الناقلة «الريان»، التي يبلغ عمرها نحو 29 عاما، مثالا على هذه الاستراتيجية. فقد عبرت المضيق في سبتمبر/أيلول الماضي، بعد حصولها على ضمانات أمنية، وأبحرت دون تشغيل أجهزة التعرف الآلي أو الأضواء الملاحية، وفقا لمصادر مطلعة نقلت عنها بلومبيرغ.

ووصلت الناقلة إلى محيط ميناء صحار في خليج عُمان يوم 10 سبتمبر/أيلول، حيث التقت لاحقا بالناقلة الحديثة «المشحابية»، المصنّعة عام 2025، ونقلت إليها شحنة الغاز لاستكمال رحلتها نحو الصين، قبل أن تعود «الريان» عبر المضيق استعدادا لتحميل شحنة جديدة.

وتعتمد هذه الآلية على نقل الغاز الطبيعي المسال من سفينة إلى أخرى، بما يسمح بفصل مرحلة العبور الأكثر خطورة عن الرحلة البحرية الطويلة نحو الأسواق المستوردة.

ويرى خبير شؤون النفط والطاقة عامر الشوبكي أن هذه الخطوات تعكس إعادة تنظيم لسلسلة التصدير، بهدف تحقيق التوازن بين استمرار الشحنات وتقليل المخاطر التي تهدد الأصول البحرية.

ويوضح الشوبكي أن تخصيص الناقلات الأقدم لعبور المضيق، ثم نقل الشحنات إلى سفن حديثة تتولى الرحلات الدولية، يقلل تعرض الناقلات الأعلى قيمة للمخاطر، ويسمح بإعادتها إلى عمليات النقل الطويلة، في حين تستطيع سفن العبور العودة سريعا لتحميل شحنات إضافية.

ويضيف أن هذا الترتيب يرفع كفاءة الاستفادة من الأسطول المتاح، في ظل الظروف الاستثنائية التي تواجه حركة صادرات الغاز القطري.

توسيع الأسطول واستئجار ناقلات إضافية

لم تقتصر تحركات قطر للطاقة على إعادة توزيع مهام الناقلات، بل امتدت إلى استعادة بعض السفن التي سبق تأجيرها خلال الأشهر الأولى من الحرب، مع إعطاء الأولوية للناقلات التي يزيد عمرها على 15 عاما، نظرا إلى انخفاض قيمتها الرأسمالية مقارنة بالسفن الأحدث.

ولتعزيز القدرة على نقل الشحنات، اتجهت الشركة إلى استئجار ناقلات من شركات أجنبية، من بينها شركة «ماران غاز ماريتايم» اليونانية. ووفقا للمصادر التي نقلت عنها بلومبيرغ، وصلت تكاليف الشحن إلى نحو عشرة أمثال الأسعار السائدة آنذاك، في مؤشر على حجم الضغوط التي فرضتها الأزمة على سوق النقل البحري.

وكشفت الوكالة عن وجود ما لا يقل عن 12 ناقلة للغاز الطبيعي المسال، مملوكة لقطر للطاقة أو مستأجرة من جانبها، في المياه القريبة من البلاد، بطاقة تحميل إجمالية تقترب من 1.1 مليون طن. ويشير هذا التجمع إلى استعداد الشركة لزيادة الشحنات متى سمحت الظروف الأمنية والتشغيلية بعبور المضيق.

وأسهمت هذه الإجراءات في تنشيط حركة الصادرات خلال سبتمبر/أيلول الماضي، إذ عبرت نحو 20 ناقلة محملة بالغاز القطري مضيق هرمز خلال الأسابيع الأربعة التالية لرحلة الناقلة «الريان».

وبحلول نهاية الشهر، اقتربت الشحنات من ثلث مستوياتها المسجلة قبل الحرب، وفقا لبيانات أوردتها بلومبيرغ، بما يعكس تحسنا تدريجيا في حركة التصدير، رغم استمرار التحديات التي تواجه القطاع.

تكاليف مرتفعة للحفاظ على الأسواق

تطرح الحلول الجديدة تساؤلات بشأن جدواها الاقتصادية، في ظل ارتفاع أقساط التأمين البحري وتكاليف استئجار الناقلات والنفقات الإضافية المرتبطة بنقل الغاز بين السفن.

ويرى الشوبكي أن تقييم هذه الإجراءات ينبغي ألا يقتصر على تكلفة الرحلة الواحدة، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار الإيرادات التي تستطيع قطر للطاقة الحفاظ عليها، إلى جانب قيمة استمرار علاقاتها التجارية مع المشترين الدوليين.

ويشير إلى أن الالتزام بتسليم الشحنات في مواعيدها ضمن العقود طويلة الأجل يتجاوز القيمة المباشرة للغاز، إذ يسهم في حماية علاقات تجارية بُنيت على مدى سنوات، ويقلل احتمال انتقال العملاء إلى موردين منافسين قادرين على توفير الإمدادات بصورة أكثر انتظاما.

في المقابل، ترى خبيرة شؤون الطاقة لوري هايتايان أن اعتماد وسائل نقل أكثر تعقيدا وارتفاعا في التكلفة قد يؤثر في القدرة التنافسية للغاز الطبيعي المسال القطري، خصوصا إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.

وتوضح هايتايان أن قطر للطاقة ستواجه مفاضلة بين تحمل جانب من التكاليف الإضافية للحفاظ على عملائها، أو تحميل المشترين جزءا منها، مشيرة إلى أن القرار سيتأثر بأسعار الإمدادات البديلة ومستوى المنافسة في الأسواق العالمية.

وبذلك، لا تقتصر التحديات التي تواجه قطر على ضمان مرور ناقلاتها عبر مضيق هرمز، بل تشمل أيضا الحفاظ على التوازن بين أمن الإمدادات وتكاليف التصدير والقدرة على الوفاء بالعقود طويلة الأجل، في سوق عالمية تتنافس فيها الدول المصدرة على تأمين العملاء وتعزيز موثوقية إمداداتها.

زر الذهاب إلى الأعلى