في خطوة تاريخية: حزب العمال الكردستاني يعلن حلّ نفسه وإنهاء الكفاح المسلح

في تطور غير مسبوق، أعلن حزب العمال الكردستاني (PKK) رسميًا اليوم الاثنين عن حلّ نفسه وطيّ صفحة الصراع المسلح مع الدولة التركية، منهياً بذلك نزاعًا دام أكثر من أربعين عامًا، خلّف وراءه أكثر من 40 ألف ضحية ودمارًا هائلًا على المستويات الإنسانية والاقتصادية والسياسية.
هذا القرار، الذي وصفه مراقبون بالتحوّل الجذري، يثير تساؤلات جوهرية حول الدوافع التي دفعت تنظيمًا مسلحًا متمرّسًا في حرب العصابات إلى اتخاذ هذه الخطوة المصيرية، ودور زعيمه التاريخي عبد الله أوجلان، القابع في سجن انفرادي منذ عام 1999، في توجيه هذا المسار.
ما وراء القرار.. الأسباب والدوافع
1. تراجع الدعم الجيوسياسي وتضييق الخناق الإقليمي والدولي
شهد الحزب خلال السنوات الأخيرة تراجعًا حادًا في الدعم الخارجي، في ظل تنامي التحالفات التركية مع قوى كبرى كروسيا والولايات المتحدة، وتفاهمات مع دول الجوار، مما أدى إلى عزل الحزب دوليًا. كما أصبح المناخ العالمي بعد “الحرب على الإرهاب” أقل تسامحًا مع الحركات المسلحة، ما زاد من عزلة الحزب وضيق هامش حركته.
2. فشل تحقيق الأهداف الاستراتيجية عبر السلاح
رغم عقود من الكفاح، لم يتمكن الحزب من تحقيق مشروعه بإقامة دولة كردية أو فرض حكم ذاتي معترف به داخل تركيا. هذه النتيجة أدّت إلى اهتزاز الإيمان بجدوى الكفاح المسلح داخل أوساط الحزب، خصوصًا مع بروز جيل جديد من الأكراد ينشد التغيير عبر السبل السياسية والسلمية.
3. تحوّل أيديولوجي في فكر أوجلان
شهد فكر عبد الله أوجلان تحولًا استراتيجيًا من الطرح الانفصالي إلى تبني مفهوم “الكونفدرالية الديمقراطية”، الذي يدعو إلى حكم ذاتي شعبي ضمن الدول القومية بدل الانفصال عنها. هذا التحول الفكري أثّر بعمق على توجهات الحزب، وأعاد تشكيل رؤيته للصراع والهوية.
4. استنزاف طويل الأمد وكلفة بشرية هائلة
تسبّب الصراع الممتد في استنزاف بشري ومجتمعي كبير، حيث تضررت المجتمعات الكردية من النزوح والتهميش، وفقد آلاف المقاتلين أرواحهم. هذه الكلفة الباهظة ولّدت رغبة متزايدة، خصوصًا بين الشباب، في إنهاء العنف والبحث عن بدائل سلمية تحقق تطلعاتهم.
5. انتقال إستراتيجي نحو العمل السياسي
قد يكون حل الجناح العسكري مقدمة لاندماج كامل في العملية السياسية، مستفيدًا من الحليف السياسي المتمثل في حزب الشعوب الديمقراطي (HDP) أو خلفائه، مما يعزز فرص التأثير داخل البرلمان التركي بدلاً من الجبال والسلاح.
6. تغير المزاج الشعبي والتحولات المجتمعية
شهدت المجتمعات الكردية في تركيا، وسوريا، والعراق تحولات اجتماعية وفكرية كبيرة، وارتفعت أصوات داخلية تطالب بالحلول السلمية ورفض العنف. هذا التغيير في المزاج الشعبي لعب دورًا محوريًا في دفع القيادة نحو اتخاذ القرار التاريخي بحل الحزب.
تداعيات القرار على الأكراد في سوريا والعراق
قرار الحزب لا يقتصر أثره على تركيا وحدها، بل يمتد إلى المشهد الكردي الأوسع، خاصة في سوريا والعراق، حيث كان حزب العمال بمثابة المرجعية الفكرية والعسكرية لفصائل كردية محلية.
في سوريا، قد تجد “الإدارة الذاتية” نفسها في موقف صعب، خاصة أن وحدات حماية الشعب (YPG) استمدت جزءًا كبيرًا من شرعيتها من ارتباطها بالحزب. غياب هذا الارتباط قد يدفعها إلى إعادة تعريف دورها، إما بالتقارب مع النظام السوري، أو بمحاولة كسب الاعتراف الدولي كشريك سياسي محلي.
في العراق، خصوصًا في إقليم كردستان، سيؤدي انسحاب الحزب إلى خلخلة التوازنات الداخلية، حيث قد يسعى الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني إلى بسط هيمنته، ما يثير مخاوف بعض القوى المحلية من احتكار القرار الكردي من قبل طرف واحد مقرب من أنقرة.
أوجلان.. الزعيم الذي يصنع التاريخ من زنزانته
رغم عزله الطويل في سجن إيمرالي، لا يزال عبد الله أوجلان يحتفظ بتأثير رمزي وأيديولوجي عميق داخل الحزب. فكتبه تُدرّس، وأفكاره توجه الاستراتيجيات، وبياناته لا تزال تُتلى في الاجتماعات الكبرى. لم يكن مجرد قائد عسكري، بل أصبح “الأب المؤسس” لعقيدة سياسية تستند إلى رؤية لا مركزية تنأى عن القومية الكلاسيكية.
ورغم أن القيادة الفعلية اليوم بيد شخصيات مثل مراد قريلان وجميل بايق في جبال قنديل، فإن أي تحوّل مصيري لا يكتسب شرعيته إلا إذا نُسب إلى “القائد المؤسس”. لذلك، فإن إنهاء العمل المسلح لا يُقدَّم كانكسار، بل كتحوّل نابع من حكمة القائد نفسه، في لحظة مفصلية تعيد تعريف دور الحزب ومستقبله.
نهاية مرحلة.. وبداية أسئلة جديدة
حلّ حزب العمال الكردستاني لا يمثل فقط نهاية مرحلة من الصراع، بل يشكّل مفترق طرق لفكرة “كردستان الكبرى” ذاتها. فمن دون المركز الرمزي الذي شكّله الحزب، ستجد الحركات الكردية الأخرى نفسها أمام تحدي إعادة صياغة مشروعها، وسط بيئة إقليمية متغيرة وأحلام شعبية تبحث عن واقع جديد بعيدًا عن الدم والرصاص.







