الأخبار الدولية

عشر وصايا في عالم مكافحة التجسس.. قراءة في خلاصة خبرة رئيس قسم مكافحة التجسس في الـCIA جيمس أولسون

كلّف رئيس قسم مكافحة التجسس في وكالة المخابرات المركزية الأميركية جيمس أولسون عام 1998 بالالتحاق بكلية بوش للحكم والخدمة العامة في جامعة تكساس أي آند إم لمدة عامين، ضمن برنامج يهدف إلى إيفاد ضباط ذوي خبرة إلى المؤسسات الأكاديمية لدعم تدريس الاستخبارات كتخصص جامعي، والمساهمة في بناء برامج للدراسات العليا في هذا المجال. وبعد نحو عقدين، أصدر كتابه الشهير “كيف تمسك جاسوسًا؟.. فن مكافحة التجسس” الذي جمع فيه خلاصة خبرته المهنية الطويلة.

تقوم مكافحة التجسس على الإجراءات التي تُتخذ لحماية الأسرار والقدرات والعناصر من محاولات الاختراق، وتزداد أهميتها عند النظر إلى سلسلة الاغتيالات والتفجيرات التي نفذها الموساد والجيش الإسرائيلي في لبنان، أو الضربات الدقيقة التي استهدفت قادة عسكريين وأمنيين إيرانيين خلال الحرب الأخيرة، ما يدل على وجود شبكات بشرية واخترقات عميقة دفعت الاستخبارات الإيرانية إلى وضع تفكيك تلك الشبكات في رأس أولوياتها.

وبالعودة إلى ما طرحه أولسون، نجد أنه قدّم 10 وصايا محورية في عالم مكافحة التجسس، مستعينًا بأمثلة واقعية توضّح نقط القوة والضعف في أداء الأجهزة الاستخباراتية الأميركية، وتكشف جذور الإخفاقات التي أدت إلى اختراقات مؤلمة.

الوصية الأولى: كن هجوميًا

ترتكز هذه الوصية على مبدأ جوهري: الهجوم خير من الدفاع. فأهم إنجازات مكافحة التجسس تتحقق عندما ينجح الجهاز في تجنيد ضباط من أجهزة الخصوم، بما يتيح كشف شبكاتهم داخل بلدك. وفي المقابل، فإن الاكتفاء بإجراءات الدفاع السلبي لا يحقق إلا نتائج محدودة.

ويضرب أولسون مثالًا بالصين التي استطاعت بين عامي 2010 و2012 كشف وإعدام أو سجن ما بين 18 و20 من أبرز جواسيس الـCIA داخل البلاد، في مشهد أعاد الذاكرة إلى الاختراق السوفياتي الضخم الذي حققته موسكو بعد تجنيد الضابطين الأميركيين إدوارد هوارد وألدريتش أميس. فقد تسبب أميس وحده في الكشف عن نحو 30 عنصرًا روسيًا يعملون لصالح الولايات المتحدة.

ويستعرض أولسون أيضًا قصة هارولد نيكلسون الذي زود الروس بأسماء ضباط الـCIA الجدد قبل توزيعهم على الخارج، مما أدى إلى كشفهم وتدمير عملياتهم.

الوصية الثانية: احترم محترفيك

يشدد أولسون على ضرورة تقدير ضباط مكافحة التجسس، الذين غالبًا لا يحظون بشعبية أو ترقيات مثل زملائهم في العمليات. ويعود هذا الوضع إلى إرث تركه جيمس أنجلتون الذي نشر ثقافة الشك المفرط داخل الوكالة.

إن بيئة مكافحة التجسس مرهقة نفسيًا، وتستنزف طاقة الضباط، ما يجعل كثيرًا من المميزين يبتعدون عن هذا التخصص. وتجاهل هذه الفئة يمنح الخصوم أفضلية كبيرة، لأن مكافحة التجسس تعتمد على الخبرة والحس المكتسب لا على القوة التقنية وحدها.

الوصية الثالثة: امتلك الشارع

الشارع هو الميدان الحقيقي للحركة، والمراقبة، وبناء العلاقات السرية. وفقدان السيطرة عليه يعني فقدان القدرة على اكتشاف محاولات التجنيد أو التواصل مع الخصوم.

ويضرب أولسون مثالًا بإدوارد هوارد الذي تمكن من الإفلات من مراقبة الـFBI والهرب إلى موسكو، لأنه كان أكثر مهارة من الفريق المكلّف بمتابعته.

الوصية الرابعة: اعرف تاريخك

التاريخ هو المختبر الحقيقي لفهم أنماط الخيانة والاختراق. وأخطر ما يواجه الضباط هو الجهل بتجارب من سبقهم. وقد صُدم أولسون عندما اكتشف أن معظم الضباط يفشلون في اختبار معرفتهم بتاريخ الاستخبارات الأميركية.

فالمؤسسة التي تهمل تاريخها تعيد ارتكاب الأخطاء نفسها.

الوصية الخامسة: لا تتجاهل التحليل

جمع المعلومات بلا تحليل يشبه جمع قطع أحجية دون محاولة تركيبها. فالتحليل هو القلب الحقيقي لمكافحة التجسس.

أدى غياب التحليل إلى إخفاقات كارثية، من هجوم بيرل هاربر إلى أحداث 11 سبتمبر، إذ كانت المعلومات موجودة لكن لم تُقرأ بالشكل الصحيح وفي الوقت المناسب.

الوصية السادسة: لا تكن ضيق الأفق

تحذر هذه الوصية من التركيز على تهديد واحد وإهمال بقية الاتجاهات. فقد انشغلت الأجهزة الأميركية تاريخيًا بروسيا والصين، فيما نشأ تهديد القاعدة ونما بعيدًا عن تركيزها.

كما أن التنظيم الداخلي الجامد يولد رؤية أحادية تمنع ربط المعطيات وتحليل الأنماط المشتركة.

الوصية السابعة: درّب أفرادك

التدريب المتواصل عنصر لا بديل عنه. كثير من ضباط الـCIA دخوا الميدان قبل امتلاك مهارات التعامل مع خصوم محترفين.

التدريب الحقيقي لا يكون في القاعات بل في الشارع، ومع سيناريوهات واقعية تعزز القدرة على بناء الحس الأمني واكتشاف الإشارات الخفية.

الوصية الثامنة: لا تُدفع جانبًا

غالبًا ما تُستبعد فرق مكافحة التجسس من الاجتماعات الحساسة لأنها تطرح الأسئلة المزعجة. لكن إبعادها يخلق فجوات معلوماتية تسهّل الاختراقات.

ولهذا يطالب أولسون بأن تكون مكافحة التجسس جزءًا ثابتًا من كل قرار أعلى مستوى في الأمن القومي.

الوصية التاسعة: لا تبقَ طويلاً

البقاء لسنوات طويلة في الموقع نفسه يؤدي إلى فقدان الحس والقدرة على الشك. كما يجعل الضابط أكثر قابلية للمراقبة والاستهداف.

التدوير الوظيفي ضرورة لإعادة الحيوية إلى الضباط وضمان عدم تشكّل أنماط يسهل على الخصم استغلالها.

الوصية العاشرة: لا تستسلم أبدًا

العمليات الاستخباراتية تتحرك ببطء، وتختفي آثارها فترات طويلة، ما يخلق شعورًا بالإحباط. لكن الانقطاع لا يعني الفشل، والخصوم يستغلون لحظات اليأس لإعادة تنظيم صفوفهم.

لهذا فإن الإصرار وعدم الاستسلام يمثلان حجر الأساس في كل قضية ناجحة لمكافحة التجسس.

زر الذهاب إلى الأعلى