الأخبار الدولية

زيارة وزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر: اختبار جديد لكسر الجمود الدبلوماسي

تخضع العلاقات الجزائرية الفرنسية لاختبار جديد مع وصول وزير الداخلية الفرنسي Laurent Nuñez إلى الجزائر في زيارة تستمر يومين، وسط أجواء من التوتر المتصاعد بين البلدين.

ومن المرتقب أن تتركز المحادثات على ملفات حساسة ومشتركة، في مقدمتها الهجرة والتعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، إضافة إلى قضية الصحفي الفرنسي Christophe Gleizes، الذي صدر بحقه حكم بالسجن سبع سنوات في الجزائر بتهمة “الإشادة بالإرهاب”، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية.

وتأتي هذه الزيارة بعد أيام من زيارة المرشحة الرئاسية الفرنسية السابقة Ségolène Royal، التي التقت بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ودعت إلى احترام سيادة الجزائر، معتبرة أن لغة الإملاءات والشروط المسبقة لا تخدم استقرار العلاقات الثنائية.

وكان وزير الداخلية الفرنسي قد لوّح بشروط تتعلق بتسريع ترحيل المهاجرين الجزائريين والإفراج عن الصحفي الفرنسي، غير أن هذه المطالب قوبلت برد حازم من الرئيس تبون، الذي شدد في حوار إعلامي على أن تلك الشروط “تخص صاحبها ولا تعنينا”، مؤكدا تمسك الجزائر بمبدأ الندية في التعامل، ما دفع الوزير الفرنسي إلى التراجع عن طرح الشروط وتثبيت موعد الزيارة.

مناخ سياسي معقد ومحاولة لإدارة الخلاف

يرى أستاذ العلوم السياسية عبد اللطيف بوروبي أن الزيارة تعكس محاولة لإدارة الخلاف أكثر من كونها مؤشرا على انفراج شامل، إذ تأتي في سياق توتر طبع العلاقات خلال الأشهر الماضية. ويشير إلى أن باريس أدركت محدودية سياسة الضغط، وأن التعامل مع الجزائر بمنطق الإملاءات لم يعد مجديا في ظل تحركها من موقع سيادي واضح.

من جانبه، يعتبر الباحث عبد الرزاق غراف أن الملفات المعقدة، وعلى رأسها الهجرة غير النظامية، تجعل من الصعب تجاوز تراكمات الأزمة عبر زيارة واحدة، مرجحا أن أقصى ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة هو خفض منسوب التوتر واستعادة قنوات الحوار، مع بقاء الخلافات العميقة قائمة.

ويؤكد أن التعاون الأمني، رغم أهميته، لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع، بما في ذلك ملف الذاكرة والخلافات الإقليمية، مثل قضية الصحراء الغربية ومنطقة الساحل، وهي ملفات عمّقت التباين بين الطرفين في السنوات الأخيرة.

التعاون الأمني بين الضرورة السياسية والحسابات السيادية

أما أستاذ العلوم السياسية عمار سيغة، فيرى أن زيارة وزير الداخلية تختلف عن زيارة وزير الخارجية الفرنسي Jean-Noël Barrot في أبريل الماضي، والتي قُدمت حينها كخطوة نحو تطبيع العلاقات قبل أن تعود الأزمة للتصاعد.

ويشير إلى أن الطابع التقني والسيادي للزيارة الحالية يمنحها أهمية خاصة، نظرا لارتباطها بملفات تمس صميم سيادة الدولة، مثل تسليم المطلوبين والتنسيق الأمني. ويؤكد أن التعاون الأمني ظل تاريخيا الخيط الذي يحفظ الحد الأدنى من التواصل بين البلدين حتى في أوج الأزمات، غير أن نجاحه يبقى مرتبطا بسقف التفاهم السياسي واحترام مبدأ المعاملة بالمثل.

سيناريوهات محتملة لمستقبل العلاقات

في حال عدم تحقيق تقدم ملموس، قد تنتهي الزيارة ببيان بروتوكولي دون آليات تنفيذ واضحة، ما يعيد العلاقات إلى مربع الجمود. ويطرح محللون ثلاثة سيناريوهات محتملة:

  • استمرار الجمود إلى غاية الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027، مع توظيف ملف الجزائر في السجال السياسي الداخلي.
  • تصعيد اقتصادي عبر تسريع الجزائر سياسة تنويع الشركاء، والانفتاح بشكل أوسع على الصين أو روسيا أو إيطاليا، ما قد يؤثر على حضور الشركات الفرنسية ومشاريع استراتيجية.
  • استخدام الملفات الأمنية والهجرة كورقة ضغط، بما قد ينعكس سلبا على مستوى التنسيق الأمني في منطقة الساحل ويؤثر على الاستقرار الإقليمي.

وبين محاولات التهدئة وحسابات السيادة، تبقى الزيارة محطة اختبار حقيقية لقدرة الطرفين على الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء الثقة على أسس أكثر توازنا واستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى