اقتصاد

رمضان في أوروبا: منطق الرأسمالية وتحول الاحتفال الديني إلى قوة اقتصادية

في أوروبا اليوم، لا يمر يوم على الأغلب دون تلقي الرسائل التسويقية المرتبطة بشهر رمضان، بدءًا من العروض على المواد الغذائية المميزة للصيام، مرورًا بمحلات الزينة والفوانيس، وأنظمة تحويل الأموال، وصولًا إلى التطبيقات الرقمية لتنظيم الوقت خلال الصوم وتحديد مواقيت الصلاة والأوراد، وانتهاءً بالإعلانات عن أسواق رمضانية خاصة ومعارض الطعام، وعروض المطاعم لوجبات الفطور والسحور.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على التجار المسلمين، بل تقودها الشركات الكبرى في تجارة التجزئة والتكنولوجيا، حيث تشهد شوارع المدن الأوروبية الكبرى، من حي باربيس في باريس إلى نويكولن في برلين ووايت تشابل في لندن، نشاطًا تجاريًا يوازي أحيانًا موسم عيد الميلاد، فيما اندمج “اقتصاد رمضان” الذي كان سابقًا مقتصرًا على المنازل والمتاجر الصغيرة للمهاجرين، في قلب الرأسمالية الأوروبية، مما أعاد تشكيل تجارة التجزئة من حيث المكان والزمان.

هذا الاندماج الاقتصادي لا يبدو مجرد نتيجة للتغيرات الديموغرافية التي شهدتها القارة خلال العقود الأخيرة، بل عملية منظمة لتراكم رأس المال تعتمد على ترسيخ الهوية الدينية والتعدد الثقافي كعوامل لتعظيم القيمة الاقتصادية. مرت هذه العملية بثلاث مراحل: أولها ترسيخ الوجود الاجتماعي الإسلامي في أوروبا من الستينيات حتى التسعينيات لتشكيل كتلة ديموغرافية حرجة، تلاها تعزيز طلب الجاليات على “اليقين الشرعي” في الطعام ما أرسى مفهوم “الحلال” كعلامة تجارية موحدة، وأخيرًا جاء تصاعد الإسلاموفوبيا تزامنًا مع الاحتفاء التجاري بالشهر الكريم، في مفارقة هيكلية تعكس توترًا بين الرأسمالية المعولمة التي تنظر إلى المسلمين كسوق مربح، والرأسمالية القومية التي تصوّرهم تهديدًا اقتصاديًا وثقافيًا.

من منظور فكري، تحمل هذه الظاهرة جذورًا في العلاقة بين الإسلام والرأسمالية. يرى مكسيم رودنسون في كتابه الإسلام والرأسمالية أن الإسلام لم يشكل عائقًا أمام نشوء الرأسمالية، مستندًا إلى تاريخ النشاط التجاري في المجتمعات الإسلامية والهياكل القانونية الداعمة مثل الوقف والشراكة، في حين ركز سيد قطب على رفض الأنظمة الاقتصادية الغربية، معتبرًا أن الإسلام هو “الطريق الثالث” الذي يوازن بين حقوق الفرد ومصلحة المجتمع. ويبدو أن الصحوة الإسلامية التي انتقلت إلى أوروبا تبنت، في ممارساتها العملية، نهجًا أقرب إلى رؤية رودنسون، متصالحًا مع الرأسمالية الغربية.

على صعيد الإنتاج والاستهلاك، أدى استقرار الجاليات الإسلامية في أوروبا منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى تحويل رمضان من مناسبة منزلية محدودة إلى نشاط اقتصادي ملموس. ومع ظهور الجزارين الحلال وتنظيم إنتاج الغذاء وفق معايير “الحلال” المعتمدة رسميًا، تطور السوق من نشاط غير رسمي إلى قوة اقتصادية معترف بها، مدعومة بتغييرات تشريعية في أوروبا لحماية ممارسة الذبح الشرعي.

وظهرت صناعة “الحلال” أيضًا استجابة لتحول الصحوة الإسلامية في أوروبا من ثقافة موروثة إلى ممارسة دينية واعية لدى الجيل الثاني والثالث من المهاجرين، حيث أصبح الالتزام الديني خيارًا عمليًا، يتطلب توفير منتجات غذائية وأزياء وأدوات دينية مناسبة. وقد أدركت الرأسمالية الأوروبية هذه الفرصة، فخلقت ما يُعرف بـ”وادي الحلال”، جاعلة رمضان حدثًا اقتصاديًا يوازي عيد الميلاد من حيث الأهمية والقيمة الاستهلاكية، ومحوّلة الاحتفال الديني إلى قوة اقتصادية حقيقية داخل الأسواق الأوروبية.

زر الذهاب إلى الأعلى