الأخبار الدولية

خيارات الحرب الأمريكية على إيران بين الضربات الجوية والتدخل البري المحدود

في إحدى قاعات البيت الأبيض أو داخل غرف العمليات التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، حيث تُعرض صور الأقمار الصناعية للتضاريس الإيرانية المعقدة على شاشات ضخمة، يناقش الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع قادته العسكريين الخيارات المتاحة للتعامل مع إيران. ما كان يُتوقع أن يكون حملة جوية محدودة بات يبدو أكثر تعقيدًا، مع تصاعد النقاش حول خيارات إضافية قد يكون تنفيذها أكثر صعوبة وتعقيدًا.

يدرك القادة العسكريون أن الضربات الجوية، رغم قدرتها على إصابة أهداف محصنة، لا تكفي وحدها لتحقيق نتائج حاسمة. فالهجمات الجوية قد تدمر منشآت نووية أو مواقع استراتيجية، لكنها لا توفر دائمًا القدرة على تقييم حجم الضرر الحقيقي من الجو. وفي حال تبين أن الضربة لم تحقق أهدافها بالكامل، يصبح التدخل البري خيارًا مطروحًا لتنفيذ مهام مثل تدمير المنشآت النووية بشكل كامل أو السيطرة على مخزونات اليورانيوم المخصب.

ورغم ذلك، فإن أي انتشار بري داخل إيران يفتح الباب أمام حسابات مختلفة تمامًا من حيث الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية. فإيران تمتد على مساحة هائلة تفوق مساحة العراق وأفغانستان مجتمعين بنحو مرة ونصف، ويبلغ عدد سكانها قرابة 88 مليون نسمة. وتشير تقديرات دوائر القرار الأمريكية منذ سنوات إلى أن أي محاولة لإسقاط النظام بالقوة قد تتطلب نشر ما لا يقل عن نصف مليون جندي، وهو سيناريو شديد التعقيد في ظل الظروف السياسية الحالية.

وبدلًا من ذلك، تدرس واشنطن سيناريوهات عمليات برية محدودة ذات أهداف واضحة ومحددة. ووفق تقارير إعلامية أمريكية، يجري بحث احتمال تنفيذ عمليات لقوات خاصة تستهدف منشآت نووية رئيسية مثل أصفهان وفوردو ونطنز، بهدف تدميرها من الداخل أو السيطرة على المواد المرتبطة بالبرنامج النووي، وعلى رأسها مخزون اليورانيوم المخصب.

وفي هذا السياق، ألغى الجيش الأمريكي مؤخرًا تدريبًا كبيرًا لوحدة قيادية من فرق المظليين النخبوية، مع إبقائها في حالة جاهزية داخل قاعدة فورت براغ بولاية كارولاينا الشمالية، وهو ما فُسّر على أنه مؤشر لاحتمال الاستعداد لتدخل بري سريع. وتعد منشأة أصفهان النووية من أكثر الأهداف حساسية، إذ تشير تقارير إلى احتمال احتوائها على كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب، إضافة إلى أعمال تحصين واسعة تشمل إغلاق مداخل الأنفاق بالتراب.

ولا تقتصر الأهداف المحتملة على المنشآت النووية فقط، إذ تُطرح أيضًا جزيرة خرج كهدف استراتيجي محتمل. تقع الجزيرة في شمال شرق مياه الخليج قبالة بوشهر، وتمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيراني، ما يجعل السيطرة عليها ضربة قوية للاقتصاد الإيراني.

الفرقة 82 المحمولة جوا.. رأس الحربة في التدخل السريع

في حال اتخاذ قرار بالتدخل البري المحدود، تبرز الفرقة 82 المحمولة جوا كإحدى أهم أدوات الجيش الأمريكي في عمليات الانتشار السريع. تُعرف هذه الفرقة بقدرتها على تنفيذ عمليات الاقتحام الجوي والإنزال المظلي، مع إمكانية الانتشار خلال نحو 18 ساعة فقط.

تتخصص الفرقة في السيطرة السريعة على الأهداف الحيوية وتأمينها تمهيدًا لوصول قوات إضافية. ومع ذلك، فإن العمليات الدقيقة داخل منشآت شديدة الحساسية، مثل المواقع النووية، غالبًا ما تُسند إلى قوات العمليات الخاصة.

ومن بين أبرز هذه القوات وحدة “دلتا فورس”، التي تُعد من أكثر الوحدات سرية وتخصصًا في الجيش الأمريكي. وتُكلَّف هذه الوحدة عادة بمهام معقدة تشمل اقتحام مواقع تحتوي على مواد نووية أو مكونات مرتبطة بالأسلحة الاستراتيجية، بهدف تأمينها أو تدميرها.

وإلى جانب قوات النخبة، تلعب وحدات الهندسة العسكرية دورًا أساسيًا في مثل هذه العمليات، إذ تتولى إزالة العوائق، وتأمين الممرات، وتجهيز مناطق الهبوط أو فتح المدارج المؤقتة اللازمة لدعم العملية.

سيناريو الإنزال الجوي المحتمل

تعتمد أي عملية إنزال جوي على تحقيق التفوق الجوي الكامل قبل بدء الهجوم. لذلك يُتوقع أن تبدأ العملية بسلسلة ضربات جوية وصاروخية مكثفة تستهدف أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، إضافة إلى الرادارات ومنشآت الإنذار المبكر ومراكز القيادة والسيطرة.

وقد تُنفذ هذه الضربات باستخدام صواريخ كروز وقنابل موجهة تطلقها طائرات شبحية وقاذفات بعيدة المدى، بهدف شل قدرات الدفاع الجوي في مناطق الإنزال المحتملة.

وبالتوازي مع الضربات الجوية، تلعب الحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية دورًا مهمًا في تعطيل الاتصالات العسكرية وإرباك منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية. ويهدف ذلك إلى عزل ساحة المعركة عن بقية القوات الإيرانية ومنع إصدار أوامر فعالة خلال الساعات الأولى الحاسمة من الهجوم.

بعد ذلك يمكن أن يتم إدخال القوات عبر طائرات نقل عسكرية أو مروحيات متطورة مثل بلاك هوك وتشينوك. وفي بعض الحالات قد يتم إنزال القوات على مسافة من الهدف، ثم التقدم نحوه برًا لتفادي الدفاعات الأكثر كثافة.

وغالبًا ما يكون الهدف من هذه العمليات السيطرة المؤقتة على الموقع المستهدف أو تدميره من الداخل، قبل تنفيذ عملية انسحاب سريعة.

الرد الإيراني المتوقع

يُتوقع أن تواجه القوات المهاجمة مقاومة مباشرة من وحدات الحرس الثوري الإيراني وقوات حماية المنشآت الحيوية. وفي حال وقوع الإنزال بالقرب من منشآت نووية أو مواقع جبلية، قد يتحول القتال إلى اشتباكات في بيئة معقدة تضم أنفاقًا وممرات ضيقة وتحصينات خرسانية.

تملك إيران أيضًا شبكة واسعة من المنشآت العسكرية تحت الأرض، تُعد الأكبر في الشرق الأوسط، وهي مصممة خصيصًا لتقليل تأثير الضربات الجوية ومنح القوات المدافعة القدرة على إعادة تنظيم صفوفها.

وقد يشمل الرد الإيراني استخدام مسيّرات هجومية وصواريخ قصيرة المدى ضد نقاط الهبوط أو تجمع القوات، إضافة إلى استهداف القواعد الجوية التي تنطلق منها الطائرات الأمريكية.

ومع استمرار الاشتباك، قد تحاول القوات الإيرانية تطويق القوة المهاجمة عبر تكثيف النيران المباشرة وغير المباشرة وإغلاق مسارات الحركة، وهو ما قد يحول العملية إلى مواجهة معقدة داخل ما يُعرف بـ“الجيب الناري”.

مرحلة الانسحاب.. أخطر مراحل العملية

تُعد مرحلة الانسحاب عادة أخطر مراحل العمليات الخاصة، إذ تكون مواقع القوات المهاجمة قد انكشفت بعد زوال عنصر المفاجأة، ما يجعلها أكثر عرضة للرصد والاستهداف.

وفي حال تمكنت الدفاعات الإيرانية من الحفاظ على قدر من قدرتها القتالية بعد الضربات الأولية، فقد تواجه القوات المنسحبة نيرانًا أكثر تنظيمًا مما واجهته أثناء الدخول.

لذلك لا يقتصر التحدي على الوصول إلى الهدف وتدميره، بل يشمل أيضًا القدرة على الانسحاب بسرعة قبل أن تتحول العملية إلى مواجهة طويلة أو كمين واسع.

هل تمهد هذه العمليات لغزو بري أوسع؟

تشير معظم التقديرات إلى أن أي تدخل بري محتمل سيكون محدودًا ومؤقتًا، يهدف إلى تنفيذ عمليات دقيقة دون الانزلاق إلى حرب برية واسعة. ومع ذلك، يلفت بعض المحللين إلى مؤشرات قد تدل على استعدادات أوسع، مثل ظهور طائرات الهجوم الأرضي من طراز “إيه-10” في القواعد القريبة من المنطقة.

تتميز هذه الطائرة بدورها في تقديم الدعم الجوي القريب للقوات البرية، إذ صُممت خصيصًا لمهاجمة الدبابات والعربات المدرعة ومرافقة القوات أثناء المعارك البرية.

ورغم أن وجودها لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار بالغزو، فإنه يشير إلى اهتمام متزايد بالبعد البري في أي مواجهة محتملة.

في النهاية، يبقى الغزو البري الشامل لإيران خيارًا شديد التعقيد. فالجغرافيا الجبلية الواسعة، والكثافة السكانية الكبيرة، وطبيعة المدن الإيرانية، كلها عوامل تجعل أي حرب برية طويلة ومكلفة للغاية.

وفي مثل هذا السيناريو، لا تحتاج إيران إلى تحقيق نصر عسكري حاسم بقدر ما يكفيها إطالة أمد الصراع، وهو ما قد يحول الحرب إلى استنزاف طويل ومكلف للولايات المتحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى