اقتصاد

تركيا والمعادن النادرة: خطوة استراتيجية نحو الاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي

شكل إعلان تركيا عن اكتشاف كميات ضخمة من المعادن النادرة في عام 2022 محطة مهمة في مسارها لتعزيز قدراتها الاقتصادية والصناعية، حيث يمثل الاكتشاف تحديًا ليس فقط في استخراج هذه المعادن، بل في امتلاك التكنولوجيا اللازمة لمعالجتها واستثمارها، مما قد يعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية ويضيف ورقة استراتيجية مهمة لتركيا.

طموح أردوغان وخريطة الاحتياطيات
في أكتوبر 2022، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن طموح بلاده لأن تصبح ضمن أكبر خمسة منتجين للمعادن النادرة، مستفيدًا من ثاني أكبر منجم في العالم، “بيليكوفا” بولاية إسكي شهير. وأكد أن عمليات الحفر في 310 مواقع كشفت عن نحو 694 مليون طن من المعادن النادرة، تشمل 10 من أصل 17 عنصرًا نادرًا، تشكل نحو 12.5 مليون طن من هذه المعادن.

ورقة استراتيجية في مواجهة الصين
يمثل امتلاك تركيا لتقنية معالجة هذه المعادن تحولًا استراتيجيًا، إذ يمكن أن تصبح بديلًا للصين التي تسيطر على 90% من الإنتاج العالمي المعالج. هذه المعادن تدخل في صناعة أكثر من 200 منتج، بدءًا من السيارات الكهربائية والهواتف الذكية وصولًا إلى الأنظمة العسكرية المتطورة، مما يمنح تركيا نفوذًا صناعيًا وتجاريًا مهمًا.

ويشير الخبير ياسين آجار إلى أن تطوير قدرات معالجة منجم “بيليكوفا” سيضيف مليارات الدولارات للاقتصاد التركي، ويوفر فرص عمل عالية الجودة، كما يقلل من الاعتماد على الخارج في قطاعات حيوية مثل بطاريات السيارات الكهربائية والدفاع والطاقة المتجددة.

خطوات عملية نحو المعالجة والإنتاج
اتخذت الحكومة التركية خطوات ملموسة للاستفادة من الاحتياطيات، بإطلاق منشأة إنتاج تجريبية لشركة “إيتي معدن” لمعالجة 1200 طن من الخام سنويًا في المرحلة الأولى، مع خطط لتوسيع الإنتاج ليصل إلى 570 ألف طن سنويًا. وتشمل المعادن المكتشفة عناصر حيوية مثل اللانثانوم والسيريوم والنيوديميوم، ما يتيح للبلاد لعب دور محوري في الصناعات عالية التقنية.

التعاون الدولي مقابل الاحتكار الصيني
أعلنت تركيا توقيع مذكرة تفاهم مع الصين لتعزيز التعاون في مجال المعادن الحيوية وعناصر الأرض النادرة، في خطوة استراتيجية رغم استمرار القيود الصينية على التصدير والتقنيات المتقدمة. وتدرس تركيا إمكانية التعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا لتوسيع شبكات الإمداد وكسر الاحتكار الصيني، مع التركيز على التحول من مصدّر خام إلى مركز معالجة وإنتاج تكنولوجي متقدم.

تحويل الخام إلى قيمة مضافة
توضح الخبرة الاقتصادية أن قيمة المعادن النادرة تتضاعف عند تحويلها إلى منتجات عالية التقنية. فعلى سبيل المثال، يبلغ سعر الكيلوغرام الواحد من أكسيد النيوديميوم الخام نحو 100 دولار، في حين ترتفع قيمته من 5 إلى 10 أضعاف عند تحويله إلى مغناطيسات. هذا التحول يمكّن تركيا من تعزيز استقلالها التكنولوجي، خاصة في مجالات الدفاع، الاتصالات، ومحركات السيارات الكهربائية.

خارطة الطريق التركية
قسمت تركيا استراتيجيتها إلى ثلاث مراحل:

  • 2025–2028: التحقق من حجم ونوعية الاحتياطيات وتشغيل المنشأة التجريبية.
  • 2028–2032: التوسع في إنشاء مصافٍ متكاملة وإنتاج سبائك مغناطيسية للمركبات الكهربائية وتوربينات الرياح.
  • 2032–2035: الاستثمار في خطوط تجميع المغناطيس ومحركات السيارات الكهربائية، وإعادة تدوير النفايات الإلكترونية، مع رفع القيمة المضافة إلى 10 أضعاف.

التحديات المستقبلية
رغم الإمكانيات الهائلة، تواجه تركيا تحديات فنية وبيئية كبيرة، أبرزها نقص الخبرة في استخراج ومعالجة المعادن النادرة، والتعامل مع النفايات المشعة، والاعتماد المفرط على بيع الخام فقط، الذي يجعل البلاد عرضة لتقلبات الأسواق والصدمات الجيوسياسية.

يبقى السؤال الأساسي: هل ستتمكن تركيا من التحول إلى مركز عالمي لمعالجة المعادن النادرة، ما يتيح لها ليس فقط تصدير الخام، بل السيطرة على سلسلة القيمة التكنولوجية بأكملها، لتصبح لاعبًا استراتيجيًا في الأسواق العالمية؟

زر الذهاب إلى الأعلى