ثقافة

باسمة التكروري… رواية تُحاور الذاكرة الفلسطينية وتعيد صياغة التاريخ عبر التخييل

تواصل الروائية الفلسطينية باسمة التكروري مشروعها السردي في مساءلة التاريخ الفلسطيني وإعادة تشكيله فنياً؛ مرة باستحضار حدثٍ مفصلي مثل اجتياح الآليات العسكرية الإسرائيلية لمدينة رام الله عام 2002 في روايتها “عبور شائك” ومحاولة إسقاط ياسر عرفات، وما رافق ذلك عند حاجز قلنديا، ومرة عبر شخصية رمزية كما في روايتها الجديدة “الإمام” الصادرة عن داري النهضة ومرفأ، والتي تشكّل الجزء الأول من ثلاثية أعلنت عنها الكاتبة، تمتد من عشرينيات القرن الماضي وصولاً إلى الزمن الراهن.

ورغم أن الهوامش تشير إلى استلهام الرواية من شخصية محمد خليل التكروري الذي اغتيل عام 1990 على يد الاحتلال الإسرائيلي – وهو جد الكاتبة – فإن التكروري أوضحت في تصريحاتها أنها لم تكتب سيرته حرفياً، بل جعلت منها منبعاً لتشكيل أبطال روايتها، وبخاصة شخصية الإمام علي النابلسي.

هذه الإشارات تجعل القارئ أمام نص مركّب ومفتوح على طبقات متعددة من الخطاب: تاريخي وسياسي وسيري وعائلي، تمتزج جميعها في نسيج تخييلي يعيد إنتاج الوقائع بمنطق الفن لا بمنطق التوثيق، حيث يغدو النص الروائي عالماً موازياً يتجاوز حدود الواقع.

سرد مشهدي.. بناء روائي يستعير أدوات السينما

تتبدّى خبرة الكاتبة المسرحية والسينمائية بوضوح عبر أسلوبها المشهدي؛ إذ تعتمد بناءً دائرياً يبدأ من النهاية ثم يعود للماضي عبر تقنية الفلاش باك.

تنطلق الرواية من لحظة موت الإمام علي النابلسي، بعد أن دهسته مركبات الاحتلال أثناء دفاعه عن المسجد الأقصى. في لحظات الاحتضار يعود وعيه إلى الوراء، فيسترجع رحلته منذ الميلاد وحتى الاستشهاد.

ويبرز المشهد الافتتاحي بكثافته البصرية وقدرته على نقل القارئ إلى زاوية نظر منخفضة تُعرف سينمائياً بـ “الكونتر بلونجيه”، ما يعمّق الإحساس بفارق القوة بين الشيخ الأعزل والمركبة العسكرية الضخمة. هكذا يتحول المشهد إلى لوحة تجمع بين التراجيديا وبطولة الصمود.

هذا الأسلوب المشهدي يتكرر في الرواية، ليصبح جزءاً من بنية السرد، حيث الانتقال بين الأزمنة والأحداث يتم بسلاسة بصرية تشبه حركة الكاميرا.

التخييل في مواجهة التاريخ.. دقة التواريخ وبناء الزمن

كون الرواية تنطلق من واقع الاحتلال يجعل الزمن محوراً مركزياً. لذلك تُحكم التكروري ضبط تواريخ الأحداث، وتُعنون الفصول بأسماء الأمكنة والسنة بل والشهر أحياناً، ما يرسّخ الإيهام بالواقعية ويشرك القارئ في الحدث.

تبدأ الرحلة من عام 1990، سنة استشهاد الإمام، ثم تنحدر إلى 1920 سنة الميلاد، عبر فصول متتابعة:

  • نابلس، نوفمبر 1920
  • غرقت السفينة وغرق معها شيء آخر – 1922
  • الإضراب – 1936
  • القدس 1940
  • … وصولاً إلى أواخر القرن العشرين

وفي نهاية الرواية تُدرج الكاتبة قائمة مراجع تاريخية عربية وإنجليزية، لتؤكد أن التخييل قائم على بحث وتقصٍ، دون أن يمنع ذلك من إعادة ترتيب الوقائع خدمة للحبكة الروائية.

رواية شخصية «ملتبسة» بين المرجعي والمتخيل

تتمركز الرواية حول شخصية علي النابلسي، فتندرج ضمن “رواية الشخصية”. لكنها ليست شخصية تاريخية خالصة، ولا متخيلة بالكامل، بل تقع في منطقة وسطى: شخصية مستوحاة من مرجع واقعي دون أن تتطابق معه.

هذا الالتباس يمنح الروائية مساحة واسعة لابتكار مسار سردي خاص، خاصة في ظل ندرة الوثائق عن الشخصية المرجعية، ما يسمح بخلق شخصية دينية تتعرض لسلسلة من المحن منذ الطفولة، على غرار الشخصيات الروحية الكبرى في الأساطير والتاريخ.

ينشأ علي في بيت ممزق بسبب صراع الأخ غير الشقيق محمد، الطامع في المال والاسم والوراثة، ما يجعله يكيد لعلي منذ طفولته. ومع تطور الأحداث تنجلي الفوارق بين الأخوين:

  • محمد يرى في المستعمر فرصة للربح
  • علي يرى في الاحتلال عدواً يجب مقاومته

وتضيف التكروري عبر العلاقات العائلية المضطربة بعداً إنسانياً يعيد الشخصية إلى بشريتها بعيداً عن التنميط الأيديولوجي.

بين المدن.. سرد يعيد رسم جغرافيا الذاكرة الفلسطينية

تجول الرواية بين مدن فلسطين: نابلس، القدس، يافا، وحيفا، وتمتد إلى القاهرة، مستعيدة الحياة الثقافية المزدهرة في المنطقة قبل النكبات المتتالية.

وفي القاهرة يلتقي علي بسلوى، في مشهد سينمائي داخل قاعة عرض، لتتشكل قصة حب تتحدى الأعراف والعائلة وتصبح سند حياته في مواجهة الحرب والتهجير. هذا البعد العاطفي يمنح الرواية بعداً إنسانياً يوازن ثقل الوجع السياسي.

فعلى الرغم من القمع والاحتلال، يظل الفلسطيني إنساناً يحب ويعشق ويبحث عن حياة طبيعية، حتى في قلب المأساة.

ترميم الذاكرة.. والرواية الفلسطينية الجديدة

تقدّم التكروري عملاً يُعيد ترميم الذاكرة الفلسطينية عبر التخييل، ليوازي ما يقدمه عدد من الكتاب الفلسطينيين والعرب المعنيين بالقضية.

ويمكن إدراج “الإمام” ضمن ما يمكن تسميته بـ الرواية الفلسطينية الجديدة؛ رواية تبتعد عن صورة الفلسطيني البطل الأوحد، وتقدم شخصيات متعددة الأوجه: المقاوم، والانتهازي، والمتواطئ، والضحية، والجلاد. كما تكشف هشاشة العلاقات الإنسانية تحت الاحتلال، من خلال شخصية محمد التي تتحول إلى أداة قمع داخلية.

خلاصة

“الإمام” رواية تستند إلى وثيقة تاريخية لكنها تتحرر منها لتشييد عالم تخييلي يعيد قراءة التاريخ الفلسطيني من زاوية إنسانية. عبر أسلوب بصري، وشخصية مركبة، وحبكة ممتدة زمنياً وجغرافياً، تضع باسمة التكروري لبنة قوية في مسار السرد الفلسطيني الحديث، وتفتح باكورة ثلاثية تُعيد كتابة الذاكرة، لا بوصفها مادة للتوثيق، بل باعتبارها مساحة للمقاومة الجمالية.

زر الذهاب إلى الأعلى