الأخبار الوطنية

الرد على طرح نقابي

محمد عبد عبد الله ولد بين يكتب ؛

يقتضي إعادة النقاش إلى أرضيته القانونية والواقعية، بعيدًا عن الخطاب الانفعالي أو التوصيفات الجاهزة:
أولًا، من المهم التذكير بأن المجلس الوطني للشغل والتشغيل والضمان الاجتماعي هيئة استشارية بطبيعتها، لا هيئة تقرير أو تنفيذ. فهل يريد السيد النقابي فعلاً تحويله إلى سلطة موازية للحكومة؟ هذا طرح يفتقر إلى الدقة، لأن الأصل في النظم الحديثة أن الحكومة هي صاحبة المبادرة في السياسات العامة، بينما تُستشار الهيئات المختصة لإبداء الرأي، لا لفرض القرار.
ثانيًا، القول بأن إعلان رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 أوقية جديدة “إجراء أحادي” يتجاهل حقيقة أساسية:
الدولة، في أوقات الأزمات—وخاصة في ظل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على الطاقة وسلاسل الإمداد—مطالبة باتخاذ قرارات سريعة ومسؤولة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين. فهل كان الأجدر بالحكومة أن تتأخر في تحسين الأجور انتظارًا لمسار تفاوضي قد يطول، بينما تتآكل المداخيل بفعل التضخم؟
ثالثًا، الحديث عن “غياب الحوار” لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتعطيل القرار العمومي. الحوار الاجتماعي مهم، نعم، لكنه ليس بديلاً عن الفعل الحكومي، بل مكمّل له. كما أن الاستشارة—even إن جاءت بعد إعلان التوجه—تبقى إجراءً قانونيًا سليمًا، لأن الإلزام هنا في الاستشارة لا في الأخذ بالرأي.
رابعًا، فيما يتعلق بوصف الإجراءات بـ”الاستبدادية”، فهذا توصيف متسرع لا يراعي التوازن بين حفظ النظام العام وحرية التعبير. فالدول، في سياقات الأزمات، تضطر أحيانًا لتنظيم المجال العام بما يمنع الانزلاق إلى الفوضى، دون أن يعني ذلك مصادرة الحقوق.
خامسًا، من الإنصاف أيضًا الإشارة إلى أن محاربة الفساد وترشيد الإنفاق—وهما مطلبان مشروعان—لا يتعارضان مع اتخاذ إجراءات اجتماعية عاجلة، بل يسيران بالتوازي. فلا ينبغي تقديم الأمر وكأن الحكومة أمام خيار واحد فقط.
في المحصلة، يبدو أن خطاب النقابي يقوم على خلط بين الأدوار: بين من يقترح ويستشار، ومن يقرر وينفذ.
والأجدر بالنقابات، بدل المزايدة، أن تنخرط بجدية في تقديم مقترحات عملية داخل الأطر القانونية، لأن النقد يفقد قيمته حين يتجاهل قواعد اللعبة المؤسسية.
أما تحميل كل قرار حكومي طابع “المسرحية” أو “الاستفراد”، فهو تبسيط مخلّ لا يخدم قضايا العمال بقدر ما يخدم الخطاب الشعبوي.

زر الذهاب إلى الأعلى