الذهب في عهد ترمب الثاني: طفرة تاريخية بين اضطراب النظام العالمي وتحولات السياسة النقدية

في 20 يناير/كانون الثاني 2025، بالتزامن مع تنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترمب لولاية ثانية، بلغ سعر الذهب نحو 2696 دولاراً للأوقية. وبعد عام واحد فقط، في 20 يناير/كانون الثاني 2026، قفز المعدن الأصفر إلى حوالي 4737 دولاراً، محققاً ارتفاعاً استثنائياً بنسبة تقارب 75.7%. ولم يتوقف الزخم عند هذا الحد، إذ تجاوز الذهب مستوى 5500 دولار للأوقية في 29 يناير/كانون الثاني 2026، قبل أن يتعرض لاحقاً لموجة تصحيح حادة.
هذه القفزة الاستثنائية تطرح سؤالاً محورياً: هل يستمر الاتجاه الصاعد حتى نهاية الولاية الثانية لترمب في يناير/كانون الثاني 2029؟
حرب التعريفات وإعادة تشكيل التجارة العالمية
منذ عودته إلى البيت الأبيض، أعاد ترمب تفعيل شعار “أميركا أولاً”، عبر حزمة واسعة من الرسوم الجمركية شملت نحو 180 دولة، بنسب تراوحت بين 10% و50%، إضافة إلى رسوم خاصة على الصين وكندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن قطاعات استراتيجية مثل السيارات وأشباه الموصلات والصلب والأدوية.
أثارت هذه الإجراءات اضطرابات واسعة في الأسواق العالمية، وتراجعت مؤشرات الأسهم في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، بينما اندفع المستثمرون نحو الملاذات الآمنة، وفي مقدمتها الذهب. تقليدياً، يؤدي تصاعد النزاعات التجارية وارتفاع منسوب عدم اليقين إلى تعزيز جاذبية المعدن النفيس كأداة تحوط ضد المخاطر.
تفكك ملامح النظام الاقتصادي القديم
يرى عدد من المحللين أن العالم يشهد تحولات عميقة في بنية النظام الاقتصادي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، والقائم على التجارة الحرة وتعددية الأطراف. ومع تصاعد النزعات الحمائية، وعودة منطق القوة في العلاقات الدولية، تتزايد الشكوك حول استقرار النظام التجاري العالمي.
هذا التحول يعزز الطلب على الأصول الحقيقية، وعلى رأسها الذهب، بوصفه مخزناً للقيمة مستقلاً عن المخاطر السيادية والتقلبات السياسية.
الضغط على الفيدرالي واستقلالية السياسة النقدية
وجّه ترمب انتقادات متكررة لرئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بسبب رفضه خفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع. ويسعى الرئيس إلى سياسة نقدية توسعية تدعم النمو، بينما يحذر البنك المركزي من مخاطر التضخم وضعف الدولار.
تاريخياً، كانت استقلالية الفيدرالي أحد أعمدة الثقة في العملة الأميركية. وأي مساس بهذه الاستقلالية قد ينعكس سلباً على قيمة الدولار، ما يمنح الذهب دعماً إضافياً، نظراً للعلاقة العكسية التقليدية بين الطرفين.
وخلال العام الماضي، تراجع الدولار بنحو 10%، مسجلاً أدنى مستوياته منذ فبراير/شباط 2022، وهو ما عزز الارتفاع القياسي في أسعار الذهب.
البنوك المركزية وتكديس الذهب
شهد عام 2025 استمراراً في اتجاه البنوك المركزية نحو زيادة احتياطياتها من الذهب، في إطار استراتيجيات تنويع الأصول وتقليص الاعتماد على الدولار. وبلغ الطلب العالمي على الذهب مستوى قياسياً عند 5002 طن، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي.
ويُنظر إلى الذهب باعتباره أداة تحوط ضد مخاطر العملات والتقلبات المالية، فضلاً عن كونه أصلاً لا يرتبط بمخاطر ائتمانية مباشرة. كما تشير تقديرات إلى أن بعض الدول قد لا تفصح بالكامل عن حجم مشترياتها، ما يعكس توجهاً استراتيجياً طويل الأجل.
توقعات الأسعار: بين الصعود والتصحيح
تتوقع بعض المؤسسات المالية الكبرى إمكانية وصول الذهب إلى 6000 دولار للأوقية خلال 2026، مع سيناريوهات متفائلة تشير إلى مستويات أعلى إذا استمرت العوامل الداعمة، مثل خفض الفائدة، ضعف الدولار، واتساع العجز المالي.
غير أن السوق لا يخلو من مخاطر تصحيحية. فقد سجل الذهب مؤخراً أسوأ أداء يومي له منذ 1983، بانخفاض بلغ 12% في جلسة واحدة قبل أن يقلص خسائره. ويؤكد ذلك أن المعدن النفيس، رغم زخمه الصاعد، يظل عرضة لتقلبات حادة مدفوعة بجني الأرباح أو تحسن مفاجئ في المعطيات الاقتصادية.
سيناريو الهبوط المحتمل
في حال نجاح السياسات الاقتصادية للإدارة الأميركية في تسريع النمو، واحتواء التوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الفائدة مجدداً، قد يستعيد الدولار قوته، ما يشكل ضغطاً على أسعار الذهب.
كما أن استقرار النظام التجاري العالمي أو تراجع وتيرة النزاعات قد يقلص الحاجة إلى الملاذات الآمنة، ويدفع الأسعار نحو نطاقات أكثر استقراراً.
خلاصة المشهد حتى 2029
المعادلة الحالية تشير إلى أن استمرار ضعف الدولار، وتزايد عدم اليقين الجيوسياسي، وتصاعد التوترات التجارية، إضافة إلى مشتريات البنوك المركزية، كلها عوامل ترجح بقاء الاتجاه العام للذهب صاعداً على المدى المتوسط.
لكن هذا المسار لن يكون خطياً؛ فالمعدن النفيس بطبيعته يتحرك في دورات تتخللها تصحيحات حادة. وبين سيناريو التفكك المتسارع للنظام الاقتصادي القديم وسيناريو إعادة الاستقرار، سيظل الذهب مرآة دقيقة لتوازنات القوة المالية العالمية حتى نهاية ولاية ترمب الثانية في يناير/كانون الثاني 2029.







