التخلف البحري في تونس: فرصة جغرافية مهدورة وصراع نفوذ مؤجل

لطالما حظيت تونس باهتمام القوى الإقليمية والدولية، استنادًا إلى موقعها الجغرافي الذي يفترض أن يمنحها أفضلية طبيعية في منظومة التجارة العالمية، بحكم إشرافها المباشر على البحر الأبيض المتوسط، وقربها من الأسواق الأوروبية، واتصالها الطبيعي بالعمق الأفريقي والشرق الأوسط الغني بالموارد.
وفي الاقتصادات الصغيرة والمتوسطة، يمثل تطوير البنية التحتية للنقل، ولا سيما الموانئ البحرية وشبكات الطرق والربط اللوجستي، ركيزة أساسية لتعزيز التجارة الخارجية وتحفيز النمو ورفع القدرة التنافسية. غير أن هذه المزايا الجغرافية، التي شكلت تاريخيًا رهانًا إستراتيجيًا، لم تتحول حتى الآن إلى تفوق لوجستي فعلي.
فالموانئ التونسية لا تزال تعاني من اختلالات هيكلية وضعف واضح في البنية التحتية والقدرات التشغيلية، ما جعلها خارج المسارات الرئيسية للتجارة البحرية في حوض المتوسط. ويُعد هذا الوضع فرصة ضائعة لا لتونس وحدها، بل أيضًا للقوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين، الساعية إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والإستراتيجي في أفريقيا ومنطقة المتوسط.
هذا الواقع تناوله مقال تحليلي نشره موقع “ذا ناشونال إنترست” بعنوان “مشكلة التخلف في تونس”، للباحثة سابينا هينبيرغ، الزميلة الأولى في معهد واشنطن ومديرة برنامج الأبحاث للباحثين الشباب، ومؤلفة كتاب “إدارة المرحلة الانتقالية: المرحلة الأولى بعد الانتفاضة في تونس وليبيا”.
وسلط المقال الضوء على جذور التخلف البحري في تونس وانعكاساته الاقتصادية والجيوسياسية، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتصاعد التنافس على الممرات التجارية والبنى التحتية الإستراتيجية. وينطلق التحليل من اعتبار البنية التحتية البحرية أحد المفاتيح الجوهرية للنمو الاقتصادي وتعزيز الاندماج في سلاسل الإمداد العالمية.
ورغم الموقع الإستراتيجي لتونس على الساحل الجنوبي للمتوسط، لم تنجح البلاد في تحويل موانئها إلى مراكز إقليمية فاعلة قادرة على جذب حركة الشحن العابرة أو لعب دور محوري في الربط التجاري بين أوروبا وأفريقيا.
ويشير المقال إلى أن تونس تمتلك سبعة موانئ تجارية، إلا أن معظمها يعاني من ضعف حاد في البنية التحتية والجاهزية التشغيلية. ووفق تقييمات البنك الدولي، فإن هذه الموانئ غير مؤهلة للتعامل مع السفن الحديثة ذات الحمولات الكبيرة، ولا تواكب التحولات المتسارعة في قطاع النقل البحري، خصوصًا مع تنامي اقتصاد الحاويات وسلاسل الإمداد المتكاملة.
ويؤكد البنك الدولي أن تونس تمتلك “فرصة كبيرة” لتطوير موانئها والاستفادة من النمو السريع في حركة شحن الحاويات في البحر الأبيض المتوسط، إلا أن هذه الفرصة تظل رهينة إصلاحات هيكلية واستثمارات نوعية لم تتحقق حتى الآن بالوتيرة المطلوبة.
ويلفت المقال إلى أن الولايات المتحدة أدركت هذه الفرصة منذ نحو عقد، وأبدت اهتمامًا بتطوير البنية التحتية للموانئ التونسية، خاصة ميناء رادس، عبر برنامج “مؤسسة تحدي الألفية”، الذي شكّل أحد أبرز مسارات الدعم الأميركي لإصلاح قطاع حيوي في الاقتصاد التونسي.
غير أن هذا المسار تعثر بعد 25 يوليو/تموز 2021، عقب تعليق البرنامج على خلفية مخاوف أميركية تتعلق بمسار الحكم الديمقراطي في البلاد، ما أدى إلى تراجع ملموس في حجم المساعدات والاستثمارات الأميركية، وحرم تونس من فرصة إستراتيجية لتحديث بنيتها التحتية البحرية في لحظة إقليمية كانت تشهد سباقًا متسارعًا على الموانئ والممرات التجارية.
وفي المقابل، يوضح المقال أن الاهتمام الصيني بالاستثمار في تونس ظل محدودًا، ويعزو ذلك إلى التعقيدات البيروقراطية والعقبات التنظيمية المزمنة. وعلى عكس ما قامت به بكين في دول مجاورة، لم تنخرط الصين بقوة في مشاريع كبرى لتطوير الموانئ التونسية، واقتصر حضورها على استثمارات محدودة لم ترقَ إلى مستوى التحول الإستراتيجي في البنية التحتية البحرية.
ويأتي ذلك رغم إعلان الهيئة التونسية لترويج الاستثمار الأجنبي عن زيادة بنسبة 21% في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بين عامي 2023 و2024، إذ لا تُصنّف الصين ضمن أكبر خمسة مستثمرين أجانب في تونس.
ويقارن المقال وضع تونس بجوارها الإقليمي، مشيرًا إلى نجاح المغرب في تحويل ميناء طنجة المتوسط إلى أحد أكبر موانئ الحاويات في البحر الأبيض المتوسط، بفضل استثمارات ضخمة وشراكات دولية واسعة، شملت استثمارات صينية.
كما يلفت إلى أن الجزائر، رغم التحديات التي واجهت بعض مشاريعها، أطلقت مبادرات طموحة لتطوير موانئها بدعم صيني، مثل مشروع ميناء الحمدانية–شرشال، ما يجعل تونس تبدو متأخرة نسبيًا في سباق تحديث البنية التحتية البحرية في المنطقة.
ويخلص المقال إلى أن التخلف البحري في تونس لا يعود أساسًا إلى عزوف المستثمرين الأجانب، بل إلى عوامل داخلية متجذرة. فعلى الرغم من اعتماد قانون استثمار مُحسّن عام 2016، وإنشاء مركز خدمات شامل للمستثمرين، تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وغيرها من المؤسسات الدولية إلى استمرار عوائق بيروقراطية واقتصادية تحد من جاذبية الاستثمار وتُقيد الاستفادة من الموقع الجغرافي الإستراتيجي للبلاد.







