إستراتيجية الأمن القومي الأميركية في ولاية ترامب الثانية تكشف ملامح جديدة للسياسة تجاه الشرق الأوسط

كشفت إستراتيجية الأمن القومي الأميركية للولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، التي أصدرها البيت الأبيض صباح الجمعة، عن توجهات واضحة ومباشرة تجاه الشرق الأوسط، تعكس رؤية مختلفة جذريًا عن العديد من ثوابت السياسة الأميركية التقليدية في المنطقة.
وجاءت الوثيقة في 33 صفحة تضمنت عرضًا مفصلًا لرؤية الإدارة الأميركية الجديدة لعلاقاتها بالشرق الأوسط، بما في ذلك أولوياتها، وأدواتها، وتوقعاتها من الشراكات الإقليمية. وأظهرت الإستراتيجية رغبة ترامب في الحفاظ على الهيمنة الأميركية في المنطقة دون الاعتماد على تدخل عسكري واسع أو مباشر.
وتشير الإستراتيجية إلى أن ترامب يرى الشرق الأوسط اليوم ساحة تتجه نحو بناء شراكات قوية مع الولايات المتحدة، تقوم على الاستثمار والتكنولوجيا والدفع باتجاه إصلاحات سياسية أو ديمقراطية عبر الضغط الأميركي، بدلًا من نهج تغيير الأنظمة المتبع سابقًا.
ويأتي نشر الوثيقة في إطار تقليد تتبعه الإدارات الأميركية خلال عامها الأول، لتوضيح رؤيتها للعالم، سواء للرأي العام الأميركي أو للدول الشريكة، كما توجه رسائل مباشرة لمؤسسات صنع القرار حول أولويات الرئيس في الملفات الخارجية.
غياب إطار أيديولوجي واضح
منذ وصوله إلى الحكم في 2017 ثم إعادة انتخابه في 2025، يحاول الخبراء فهم الأسس الفكرية التي تستند إليها سياسات ترامب الخارجية، وخصوصًا ما يتعلق بالشرق الأوسط. ويؤدي غياب أيديولوجيا واضحة، باستثناء شعار “أميركا أولًا”، إلى زيادة صعوبة تحديد نهجه المستقبلي.
وأكد ترامب في مقدمة الوثيقة أن الحفاظ على قوة الولايات المتحدة يتطلب وضوحًا في الأهداف وفهمًا عامًا من الشعب الأميركي لطبيعة المصالح التي تسعى بلاده لتحقيقها. وتقوم رؤيته على “توقعات واقعية” بشأن العلاقات الدولية، مع تأكيد عدم سعي واشنطن لفرض نموذجها الديمقراطي بالقوة على الدول الأخرى.
تحولات المشهد الإقليمي
تسلط الإستراتيجية الضوء على جولة ترامب الخليجية الأخيرة التي عكست، وفق الوثيقة، مدى جاذبية النموذج الأميركي في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. كما انتقدت الإستراتيجية الأهمية المبالغ فيها التي أولتها الإدارات السابقة للشرق الأوسط خلال نصف القرن الأخير، مستندة إلى تغيرات كبرى جعلت بعض العوامل التقليدية أقل إلحاحًا.
لكنها أكدت في المقابل أن واشنطن ما زالت تعتبر منع أي قوة معادية من السيطرة على موارد المنطقة الحيوية، وعلى رأسها النفط والغاز والممرات المائية، أولوية قصوى.
وترى الوثيقة أن الولايات المتحدة ابتعدت عن سيناريو “الحروب الأبدية” التي أثبتت فشلها في الشرق الأوسط، مؤكدة التحول نحو سياسات أكثر واقعية وأقل تكلفة.
منطقة أقل صراعًا… وإيران في موقع أضعف
اعتبرت الإستراتيجية أن مستوى الصراع في الشرق الأوسط تراجع مقارنة بالسنوات الماضية، مشيرة إلى ضعف إيران بعد الضربات الإسرائيلية والعملية العسكرية الأميركية “المطرقة الليلية” التي قالت إنها أضعفت برنامج طهران النووي.
وأشادت الوثيقة بدور ترامب في تهدئة الصراع في غزة والتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإطلاق المحتجزين، لكنها وصفت الوضع في سوريا بأنه ما زال “مصدر قلق”. في المقابل، اعتبرت أن التعاون المتزايد بين واشنطن والدول العربية وإسرائيل وتركيا يفتح أفقًا لاستقرار أكبر في المنطقة.
كما لفتت إلى التحولات العميقة في أسواق الطاقة العالمية، وتوسع دور الشرق الأوسط كمحور للاستثمار في الطاقة النووية والتقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي.
تغيير آليات التعامل مع دول المنطقة
شددت إستراتيجية ترامب على ضرورة الابتعاد عن الأساليب الأميركية السابقة التي سعت للضغط على دول الشرق الأوسط—وخاصة الخليج—لإجراء تغييرات في نمط الحكم أو البنية السياسية. وبدلًا من ذلك، تدعو الوثيقة إلى تشجيع الإصلاحات التي تتطور داخليًا وبشكل طبيعي.
وأكدت أن للولايات المتحدة مصالح أساسية في المنطقة، أبرزها:
- حماية موارد الطاقة من سيطرة الخصوم.
- ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
- منع تحول الشرق الأوسط إلى مصدر للإرهاب.
- الحفاظ على أمن إسرائيل.
وترى الوثيقة أن مواجهة هذه التحديات لا تتطلب خوض حروب طويلة، بل مزيجًا من الجهود الدبلوماسية والعسكرية المحدودة. كما اعتبرت توسعة اتفاقيات أبراهام لتشمل دولًا عربية وإسلامية جديدة هدفًا رئيسيًا للإدارة.
إستراتيجية تعكس براغماتية ترامب ورغبته في إعادة تشكيل العلاقات
تعكس هذه الإستراتيجية نهجًا أميركيًا أكثر براغماتية، يركز على المصالح الاقتصادية والسياسية بعيدًا عن الأعباء العسكرية الثقيلة، مع الحفاظ على نفوذ واشنطن في منطقة محورية، وتهيئة بيئة جديدة من الشراكات التي تعتمد على القوة الناعمة والتكنولوجيا والاستثمار بدلًا من التدخل المباشر.







