أوروبا في ظل الحرب على إيران.. تأهب أمني ودبلوماسية طوارئ وقلق متصاعد على الطاقة

لم تعد الحرب ضد إيران حدثا إقليميا محصورا في جغرافيا الشرق الأوسط. فمع تبادل الضربات واتساع رقعة المواجهة، باتت أوروبا جزءا من دائرة التأثير، حتى وإن بقيت خارج نطاق الاستهداف المباشر. ومع اندلاع الشرارة الأولى، انتقل المشهد من حرب إقليمية إلى حالة قلق أوروبي متعدد الأبعاد، أمني وسياسي واقتصادي.
رفعت فرنسا مستوى التأهب الداخلي، فيما دعا الاتحاد الأوروبي من بروكسل إلى أقصى درجات ضبط النفس، محذرا من تداعيات اقتصادية محتملة، خصوصا إذا ما أصبح مضيق هرمز نقطة اختناق رئيسية في سلاسل الإمداد العالمية. لم يتغير موقع الجبهة جغرافيا، لكن معناها اتسع ليشمل إعادة ترتيب أولويات أوروبية عاجلة، من الاستنفار الأمني إلى تحريك قنوات التفاوض، وصولا إلى الاستعداد لمواجهة أنماط تهديد هجينة تمزج بين الضغط السياسي والاختراق الأمني وأدوات الطاقة.
الأمن أولا.. يقظة بلا إنذار مباشر
المنطق الأمني الأوروبي في مثل هذه الأزمات يقوم على فرضية واضحة: حتى إن لم تكن أوروبا طرفا مباشرا، فقد تتحول إلى ساحة رسائل غير تقليدية، عبر تحريض أو اعتداءات فردية أو عمليات تخريب محدودة ذات أثر سياسي أكبر من حجمها المادي.
في فرنسا، جاءت إجراءات التأهب بتوجيهات مباشرة للأجهزة المختصة لرصد أي سلوك قد يخل بالنظام العام، مع التركيز على حماية البعثات الدبلوماسية ومراقبة احتمالات التظاهرات. هذه التدابير لا تعني وجود تهديد وشيك، لكنها تعكس تقديرا بأن التصعيد العسكري يرفع منسوب المخاطر.
ويرى إيمانويل ديبوي، رئيس مركز الاستشراف والأمن في أوروبا، أنه لا يوجد خطر مباشر على القارة في الوقت الراهن، لكنه يؤكد استمرار حالة اليقظة. واستحضر في هذا السياق تصريحا سابقا لرئيسة جهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية، بليز ميتروويلي، تحدثت فيه عن إحباط نحو 20 محاولة هجوم أو أنشطة مزعزعة للاستقرار منسوبة إلى حزب الله أو إيران داخل المملكة المتحدة.
وتتعامل الأجهزة الأوروبية مع ثلاثة مستويات محتملة من التهديد:
- دائرة “الذئاب المنفردة”، حيث يشكل المناخ العام محفزا للفعل الفردي.
- دائرة الاستهداف الرمزي، بما يشمل فعاليات عامة أو مواقع مرتبطة بحلفاء أو خصوم.
- دائرة التهديدات الهجينة، كالتأثير المعلوماتي أو التخريب المحدود ذي الأثر السياسي الواسع.
في أوقات التصعيد، تتحول السفارات والقنصليات والمراكز الثقافية إلى نقاط اختبار للأمن والسياسة معا. وقد وضعت باريس حماية هذه المواقع ضمن أولوياتها، خاصة بعد تظاهرات شهدتها العاصمة شارك فيها آلاف الإيرانيين.
دبلوماسية الطوارئ.. تحرك أوروبي لاحتواء التصعيد
بالتوازي مع التأهب الأمني، دخلت العواصم الأوروبية في مسار يمكن وصفه بـ“دبلوماسية الطوارئ”. فقد عُقدت في بروكسل اجتماعات عاجلة لوزراء الخارجية لبحث تداعيات المواجهة وسبل منع اتساعها، مع تركيز خاص على أمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة وحماية المصالح الأوروبية في المنطقة.
ويشير ديبوي إلى أن بعض الدول الأوروبية أبدت انزعاجا من عدم إشراكها مسبقا في تفاصيل الضربات، بخلاف المملكة المتحدة. كما يرى أن الضغوط التي تتعرض لها طهران داخليا قد تقلص قدرتها على تنسيق تحركات خارجية معقدة، ما قد يفسر تركيزها على ساحات إقليمية أقرب.
وفي تقديره، لا مصلحة أوروبية مباشرة في الانخراط العسكري، إذ تتركز الأولوية على حماية القواعد والأفراد. كما أن واشنطن، وفق قراءته، لا تبدي حماسة لإشراك الأوروبيين في ظل انقسام مواقفهم، بين دعوات للتهدئة كما في الحالة الفرنسية، ومواقف أكثر تحفظا في دول أخرى.
كابوس الطاقة.. الخطر الصامت
إذا كان الشق الأمني يثير مخاوف من تهديدات غير تقليدية، فإن التهديد الاقتصادي يتجسد أساسا في ملف الطاقة. فالمفوضية الأوروبية أوضحت في مراسلات داخلية أنها لا ترى تهديدا فوريا لإمدادات النفط، لكنها أقرت بأن أي اضطراب في الشحن عبر مضيق هرمز انعكس على الأسعار.
يشير ديبوي إلى أن المشكلة لا تقتصر على إيران وحدها، بل تشمل ممرات استراتيجية مثل قناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز. ويرى أن معالجة الاختلالات السعرية ممكنة عبر تنسيق داخل منظمة أوبك، كما حدث في اجتماع فيينا الأخير.
وتتراوح التقديرات بين ارتفاع سعر البرميل من نحو 60 دولارا حاليا إلى مستويات بين 70 و75 دولارا، مع سيناريوهات قد تدفعه إلى حدود 100 دولار إذا تفاقمت الأزمة. ومع ذلك، يظل التأثير المباشر على الاتحاد الأوروبي محدودا نسبيا، نظرا لتراجع الروابط النفطية المباشرة مع إيران منذ إعادة فرض العقوبات في 2018.
ورغم ذلك، حذر وزراء الاتحاد الأوروبي من أن أي تعطيل فعلي في خطوط الإمداد، لا سيما عبر مضيق هرمز، قد يخلّف آثارا اقتصادية يصعب التنبؤ بها، ما يضع أوروبا أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتفادي الانزلاق العسكري، والاستعداد لارتدادات اقتصادية قد لا تأتي بصوت انفجار، بل في شكل فاتورة طاقة متصاعدة.







