أزمة الحاويات الأفغانية تتفاقم بين اضطرابات الملاحة وتعطل سلاسل الإمداد في الخليج

لم تعد حركة الحاويات التي تنقل بضائع التجار الأفغان نحو الأسواق المحلية مساراً تجارياً عادياً، بل تحولت إلى سلسلة معقدة تتداخل فيها الأزمات الجيوسياسية والاضطرابات البحرية، في وقت تشهد فيه حركة الملاحة في الخليج توتراً متصاعداً.
فبعد أشهر من التعطل في الموانئ الباكستانية، لا تزال أكثر من 6 آلاف حاوية عالقة في ميناء جبل علي في الإمارات، وسط خسائر مالية متزايدة ومخاوف جدية من تلف مواد غذائية وأدوية حساسة.
ولا تقتصر الأزمة على حدود الموانئ، بل تكشف عن هشاشة واضحة في سلاسل الإمداد الموجهة إلى أفغانستان، التي باتت شديدة التأثر بالتوترات الإقليمية الممتدة من باكستان وصولاً إلى مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ويقول خان جان الكوزي، رئيس غرفة التجارة المشتركة بين أفغانستان وباكستان، إن الحاويات متوقفة منذ أكثر من 20 يوماً، مع عدم السماح بشحنها باتجاه إيران، إلى جانب رسوم يومية تتراوح بين 100 و150 دولاراً لكل حاوية، فضلاً عن تكاليف إضافية قد تصل إلى 2000 دولار نتيجة المخاطر الأمنية.
ويضيف أن التجار دفعوا أكثر من 10 آلاف دولار لنقل الحاوية الواحدة من ميناء كراتشي إلى جبل علي، محذراً من أن معظم الشحنات، التي تضم مواد غذائية وأدوية، مهددة بالتلف في حال استمرار التأخير.
وتعود جذور الأزمة إلى تعطل سابق في الموانئ الباكستانية نتيجة إغلاق الطرق التجارية بين باكستان وأفغانستان، قبل أن تُنقل الحاويات تدريجياً إلى مسارات بديلة، لتتعثر مجدداً في الخليج بسبب اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
ويمثل مضيق هرمز نقطة اختناق استراتيجية لحركة التجارة العالمية، ومع تصاعد التوترات في المنطقة ارتفعت تكاليف التأمين والشحن، ما دفع عدداً من شركات النقل إلى تغيير مساراتها أو تعليق رحلاتها إلى الموانئ الإقليمية، الأمر الذي أدى إلى تكدس الحاويات في جبل علي دون حلول واضحة.
ويؤكد تجار متضررون، من بينهم حفيظ أتمانزي، أن عشرات الحاويات المحملة بالزيوت والمواد الغذائية لا تزال متوقفة منذ أكثر من 25 يوماً، مع تكبد خسائر يومية متزايدة وتهديد مباشر بتلف البضائع.
كما يشير تاجر آخر، مشتاق أحمد، إلى امتلاكه ست حاويات من الزيت عالقة منذ أكثر من 20 يوماً، داعياً إلى إيجاد مسارات بديلة لإعادة تصدير البضائع إلى أفغانستان عبر موانئ أخرى مثل بندر عباس، بهدف الحد من النقص وارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية.
وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط بعد اندلاع الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، وهو ما زاد من تعقيد حركة الملاحة في المنطقة.
وبحسب بيانات تجارية، فإن معظم الحاويات الأفغانية التي أُفرج عنها من الموانئ الباكستانية لم تصل إلى وجهتها النهائية، حيث لا تزال نسب كبيرة منها عالقة بين كراتشي وجبل علي، وسط بطء شديد في حركة إعادة التصدير.
وتنعكس هذه الأزمة بشكل مباشر على الأسواق في كابل، حيث بدأت أسعار السلع الأساسية مثل الزيت والسكر والحبوب في الارتفاع، مع شكاوى من نقص في الإمدادات.
ويقول أحد التجار في سوق كارته نو إن السلع تصل متأخرة وبكميات محدودة، ما يفرض ضغوطاً إضافية على الأسعار ويزيد من معاناة المستهلكين، خصوصاً الفئات الهشة.
من جانبه، يرى خبراء اقتصاديون أن الأزمة تكشف هشاشة البنية التجارية لأفغانستان واعتمادها الكبير على مسارات نقل غير مستقرة، ما يجعل أي اضطراب إقليمي ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي والأسعار.
ويؤكد مختصون أن استمرار تعطّل الحاويات قد يؤدي إلى نقص في المواد الأساسية وارتفاع معدلات التضخم، داعين إلى تدخل دبلوماسي عاجل لتأمين مسارات بديلة أو تسهيل حركة العبور عبر الموانئ الإقليمية.
وتبرز هذه التطورات حجم الترابط بين الجغرافيا والسياسة في تعقيد حركة التجارة الأفغانية، حيث تتحول أي أزمة إقليمية إلى ضغط مباشر على الأسواق الداخلية.
ومع استمرار تعطل المسارات التجارية، تبقى آلاف الحاويات عالقة دون أفق واضح، في انتظار انفراجة تعيد تدفق السلع وتخفف من حدة الأزمة الاقتصادية المتصاعدة في البلاد.







