الأخبار الدولية

فريدمان: انتصار ديمقراطي محلي يكشف أزمة الهوية ويعيد السؤال عن معنى المشترك في أميركا

اتخذ كاتب عمود الرأي في صحيفة نيويورك تايمز، توماس فريدمان، من فوز مرشح ديمقراطي في انتخابات محلية بولاية تكساس مدخلا لتشخيص أزمة وطنية أعمق، محذرا من أن سباق الهوية والاستقطاب الحاد يدفعان الولايات المتحدة نحو حافة خطرة، وداعيا إلى استعادة معنى “العام” والمشترك الوطني.

وكان المرشح الديمقراطي تيلور ريميت قد فاز في انتخابات فرعية على مقعد بمجلس شيوخ ولاية تكساس، متغلبا على المرشحة الجمهورية لي وامبسغنس بفارق كبير، ليعيد هذا المقعد إلى الديمقراطيين لأول مرة منذ عقود، في دائرة انتخابية محافظة بمقاطعة تارانت قرب مدينة دالاس.

ويرى فريدمان أن هذا الفوز لا يمكن اعتباره حدثا انتخابيا عابرا، بل يعكس حالة إرهاق عميق لدى شريحة متزايدة من الأميركيين من سياسات التحزب الحاد والاستقطاب، موضحا أن الرسالة التي بعث بها الناخبون هي رفض خطاب “الأعداء الداخليين” والتأكيد على أن الأميركيين جيران تجمعهم مؤسسات ومصالح عامة، لا خصوم في صراع وجودي.

ويضع الكاتب هذا التطور في سياق انتقادات أوسع يوجهها إلى الرئيس دونالد ترمب، متهما إياه باتباع نهج “الأرض المحروقة” في الحكم، وتعميق الانقسام عبر شيطنة الخصوم وتسييس المؤسسات العامة والثقافية، بما يحول الخلاف السياسي إلى مواجهة وجودية تنذر، بحسب فريدمان، بانزلاق البلاد نحو صراع أهلي.

ويشير فريدمان إلى أن ريميت نجح في تبني خطاب يتجاوز التصنيفات الحزبية ويركز على قضايا جامعة، في مقدمتها دعم التعليم العام، بما يشمل التعليم المهني، والمؤسسات الخدمية، مبتعدا عن السجالات الأيديولوجية الحادة، وهو ما لامس مزاجا عاما يتشكل في مواجهة محاولات اليمين الاجتماعي السيطرة على مجالس إدارات المدارس وفرض أجندات ثقافية قائمة على حظر الكتب وتقييد النقاش حول قضايا الهوية.

ويعزز الكاتب طرحه بملاحظات ميدانية من مناطق محافظة مثل جنوب كانساس، حيث وجد أن مفهوم “العام” المرتبط بالمدارس والمتنزهات والمكتبات العامة يحظى بإجماع شعبي واسع، يفوق بكثير خطاب التفرقة الذي تتبناه بعض القيادات السياسية.

وفي المقابل، لا يعفي فريدمان التيار التقدمي من المسؤولية، محذرا من أن سياسات الهوية التي تبناها اليسار خلال السنوات الأخيرة أسهمت بدورها في إضعاف فكرة المواطنة المشتركة، مستشهدا برأي الخبير الاقتصادي غلين لوري الذي يرى أن اليمين لم يواجه سياسات الهوية برفضها، بل بتبني نسخة مضادة منها، ما أدى إلى جعل الهوية ساحة الصراع الرئيسية بدل البحث عن أرضية وطنية جامعة.

ويخلص المقال إلى التحذير من أن هذا المسار يمثل سباقا جماعيا نحو القاع، يبتعد فيه الأميركيون عن مشروعهم التاريخي القائم على تحويل التنوع إلى وحدة، وينخرطون في صراع صفري حول هوية الدولة ومن يملك حق تمثيلها، داعيا إلى استلهام نموذج الجيش الأميركي الذي يضم تنوعا واسعا يذوب في هوية أميركية جامعة، بوصفه مثالا على إمكانية التعايش والوحدة.

ويؤكد فريدمان في ختام تحليله أن إنقاذ الحياة السياسية الأميركية يبدأ باستعادة لغة التهدئة والاعتراف المتبادل بالإنسانية، في دعوة صريحة إلى المصالحة الوطنية قبل فوات الأوان.

زر الذهاب إلى الأعلى